Iman Mersal

Saturday, 20 December 2014

تشارلز سيميك، "ذبابة في الحساء"، الفصل الثاني والثالث



2- 

عندي صورة لوالدي وهو يلبس بدلة سوداء و يحمل خنزيراً صغيراً تحت إبطه. إنه في مركز الصورة وبجانبه امرأتان جميلتان في فساتين سهرة قصيرة وضحكة جميلة  في عيونهما السواداء. هو أيضاً يضحك. فم الخنزير مفتوح ولكن لا يبدو أنه يضحك.
إنه حفل رأس السنة. السنة هي 1928 ويبدو أنهم في أحد الملاهى الليليّة. عند منتصف الليل أُطفئت الأنوار وتم الإفراج عن الخنزير. أثناء الهرج والمرج قبض والدي على الخنزير المتألم. أصبح ملكه. بعد تشجيع الناس، أخذ حبلاً من النادل وربط الخنزير برجل الطاولة.
 زار والدي والمرأتان عدداً من الأماكن الأخرى في تلك الليلة. وذهب معهم الخنزير وهو مربوط بالحبل. لقد أجبروه على شرب الشمبانيا معهم وعلى لبس قبعة الحفلات. بعد سنوات عديدة سيسميه والدي "الخنزير المسكين".
عند الفجر كان والدي وحده مع الخنزير يشربان في بار متواضع بالقرب من محطة السكة الحديد. في الطاولة بجانبهما كان هناك كاهن سكران يكلّل عروسين. رفع الشوكة والسكين في وضع صليب ليبارك الزوجيْن. بعد ذلك أهداهما والدي الخنزير كهدية لزواجهما. الخنزير المسكين.
لكن هذه ليست نهاية القصة. ففي 1948، عندما كان والدي في طريقه إلى أمريكا ونحن نتضور جوعاً  في بلجراد، اعتدنا أن نقايض ممتلكاتنا بالطعام. بإمكانك أن تحصل على دجاجة مقابل حذاء رجالي بحال جيد. الساعات والفضيات ومزهريّات الكريستال وأطباق الصيني الفخمة تم مقايضتها بلحم ودهن الخنزير والسجق وأشياء من هذا القبيل. في إحدى المرّات، طلب غجريٌّ قبعة والدي الرسمية. لم تكن على مقاسه. مقابل هذه القبعة التي غطت عينيه عندما جرّبها، ناولنا بطة حية.
بعد ذلك بأسابيع جاء أخوه ليرانا. بدا ثريّاً. سنّة أمامية من الذهب، ساعتان، واحدة في كل يد. الآخر، كما يبدو، كان قد انتبه لبذلة سهرة سوداء عندنا. في الواقع كنا نترك هؤلاء الناس يتجولون بين الغرف يقيّمون البضائع. يتصرفون كأنه بيتهم، يفتحون الأدراج، ينظرون في الخزانات. يعرفون أننا لن نعترض. كنّا جوعى.
على أي حال، أحضرت أمي بذلة سهرة 1926. كان باستطاعتنا أن نرى فوراً كيف وقع الرجل في غرامها. عرض علينا في مقابلها أولاً دجاجة ثم دجاجتيْن. لسبب ما أصبحت أمي عنيدة. الأعياد على الأبواب. لقد أرادت خنزيراً رضيعاً. الغجريّ أصبح غاضباً، أو مثّل أنه غاضب. الخنزير أكثر مما ينبغي. لكن أمي لم تستسلم. عندما تركب رأسها فهي تساوم بضراوة. بعد ذلك بسنوات في دوفر نيوهامشر، راقبتها وهي توصل بائع أثاث إلى شفا الجنون. عرض عليها أن تأخذ الكنبة مجاناً فقط ليتخلّص منها.
الغجريّ كان أكثر تشدّداً. غادرنا. بعدها بأيام عاد ليُلقي نظرةً أخرى. وقف يحدّق في البذلة عند أمي كأنه يريد أن يتخلّص منّا في نفس الوقت. نظر ونظرنا. في النهاية، تنفّس الصعداء كرجلٍ يتخذ قراراً صعباً ولا رجعة فيه. حصلنا على الخنزير في اليوم التالي. كان حيّاً ويشبه إلى حد كبير الخنزير في الصورة.


3- 
في البدء ... الراديو. كان على طاولة بجانب سريري. كان له زر تحكّم يُضيء، ثم تظهر أسماء المحطات. ولم يكن باستطاعتي القراءة بعد فكنتُ أسأل الآخرين أن يقرأوها لي. هناك أوسلو، لشبونة، موسكو، برلين، بودابست، مونت كارلو، وغيرها الكثير. تضع السهم الأحمر موازياً للاسم، فتنبثق لغة غريبة وموسيقى غير مألوفة. في العاشرة، تتوقف المحطات عن البث. الحرب مستمرة. هذا العام هو 1943.
لقد أمضيت ليالي طفولتي مع هذا الراديو، إنني أُرجع الأرق الذي صاحبني طوال حياتي لسِحره. لم يكن ممكناً أن أبعد يديّ عنه. حتى بعد أن تتوقف المحطات عن البث. استمرُّ في تحريك زرّ التحكّم وأدرس الضوضاء المختلفة. مرة سمعت صفارات شفرة مورس. فكرت أن هناك جواسيس. أحياناً كنت ألتقط محطة بعيدة خافتة ويكون عليّ أن أضع أذني على خشونة الغطاء التي تغطي مركز الصوت. أحياناً كانت تندلع موسيقى رقص أو تكون اللغة جذابة جداً فأستمع إليها مدة طويلة، وأشعر أنني على وشك أن أفهمها.
كل ذلك كان ممنوعاً منعاً باتاً. كان من المفروض أن أكون نائماً. أفكر في ذلك الآن، ربما كنت خائفاً من الوحدة في تلك الغرفة الكبيرة. الحرب مستمرة. البلاد محتلة. أشياء فظيعة حدثت في الليل. كان هناك حظر تجول. أحدهم كان متأخراً. شخصٌ آخر في الغرفة المجاورة يمشي جيئة وذهاباً. ستائر من الورق الأسود معلقة على الشبابيك. كان شيئاً مرعباً أن تنظر من خلالها إلى الشارع _ الشارع الخالي المظلم.
أتخيل نفسي وأنا أمشي على أطراف أصابعي ويدٌ على الستارة، أريد أن أنظر ولكني خائف من انعكاس الضوء الخافت للراديو على جدار غرفة النوم. والدي متأخر والثلج يغطي السطوح في الخارج.
في 6 إبريل 1941، كان عمري ثلاث سنوات، ضربت قنبلة في الخامسة صباحاً المبنى المقابل من الشارع مما أدى إلى اشتعال النار فيه. بلجراد التي وُلدتُ فيها، لديها فرادة غير مؤكّدة  فقد قصفها النازيون في عام 1941، والحلفاء في عام 1944، والناتو في عام 1999.
عدد القتلي في ذلك اليوم من أبريل _ والذي أطلق عليه الألمان "عملية عقابية" _ يتراوح بين خمسة وسبعة عشر ألفاً، وهو أكبر عدد من القتلى المدنيين في يوم واحد خلال العشرين شهر الأولى من الحرب. كانت المدينة قد تعرضت لأربع مئة قاذفة وأكثر من مئتيّ طائرة مقاتلة في يوم أحد الشعانين عندما تضخم عدد سكان العاصمة بزوارها من الأرياف. أياً كان العدد الحقيقي، فلقد حُكم على المارشال الكسندر لور لهذا القصف المرعب وتم شنقه في 1945. 

أظن أحياناً أنني لا أذكر شيئاً عن ذلك القصف، وأحياناً أجد نفسي على الأرض وهشيم الزجاج حولي. الغرفة ساطعة الإضاءة وأمي تركض نحوي وذراعاها مفرودان على اتساعهما. حكوا لي بعد ذلك أنني طِرت من سريري وعبر الغرفة حيث سقطت، وأن أمي التي كانت تنام في الغرفة المجاورة وجدتني عندها. كلما حاولت أن اسألها أن تفسر لي ماحدث كانت ترفض مكتفية بواحدة من تنهداتها المعتادة ونظراتها الساخطة. ليس غريباً أن هذه الذكرى كانت مؤلمة بالنسبة لها، بالتأكيد كانت كذلك. الذي أغضبها وجعلها لا تجد كلمات تُعبّر بها كان ذلك الغباء المخيف في كل ما حدث. كان والدي يقبل بالقتال من أجل قضية عادلة. هي، في الطرف الآخر، لم تتراجع أبداً عن قناعتها بأن العنف وخصوصاً هذه الدرجة من العنف ليس إلا غباء. والدها نفسه كان عقيداً في الحرب العالمية الأولى، ولكنها لم يكن عندها أوهام. الحرب تقوم على أيدي رجال قُساة بصفوف من الميداليات تغطي صدورهم التي لم تكبر أبداً. إذا ذكرت انتصار الحلفاء لأمي، فستذكرك بعدد الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن من الجانبين. 
عندي ذكرى ضبابية أخرى لنيران ساطعة ثم عتمة تامة وأنا محمول على السلالم في هرولة إلى المخبأ. حدث هذا كثيراً أثناء الحرب العالمية الثانية، لذا ربما حدث ذلك في ظرف آخر. ما أدهشني بعد ذلك بسنوات، بينما أتابع مشاهد فيلم تسجيليّ ألمانيّ عن القصف، أن أرى مشهداً عابراً لشارعي ولعدّة مبانٍ مُدمّرة في الحي. لم أدرك حتى تلك اللحظة كم من القذائف أمطرت فوق رأسي ذلك الصباح.
أناسٌ كثيرون ماتوا في البناية التي تقع في الجهة المقابلة من الشارع، بما فيهم أسرة كان لها صبي في عمري، وبسبب ما، عاد الموضوع لذهني مجدداً بعد ذلك بسنوات. قيل لي مرات ومرات كم كانت أسرة طيبة وكم كان الصبي وسيماً وأن ملامحه كانت تشبه ملامحي بعض الشيء. وجدت ذلك مخيفاً. لكن القصة أُعيد سردها بغُلالة من النسيان كأن لهذا صلة ما بي. ليس عندي فكرة كيف كانت ملامحه، كما ليس عندي فكرة كيف كانت ملامحي في هذا السن الصغير. لكني ظللت أتخيله بوضوح بينما أنا أكبر كأنه كان شريكي في اللعب.

ضرب بلجراد في ١٩٤٤


هل كان العالم حقاً رماديّاً وقتها؟ في ذكرياتي المبكرة كان العالم دائماً في أواخر الخريف. الجنود رماديون، وهكذا كان الناس.
الألمان يقفون في الزاوية. نحن نمرّ بجانبهم. "لا تنظر إليهم"، تهمس أمي. نظرت إليهم على أي حال، وواحد منهم ابتسم. لسبب ما أخافني ذلك.
في ليلة جاء الجستابو لاعتقال والدي. كانوا يفتشون في كل مكان محدثين ضجة كبيرة. كان والدي قد ارتدى ملابسه بالفعل. كان يقول شيئاً، ربما كان ينكّت. تلك كانت طريقته. مهما كان الوضع قاتماً، كان يجد شيئاً مضحكاً ليقوله. بعد سنوات عديدة، محاطاً بالأطباء والممرضات بعد تعرضه لأزمة قلبية خطيرة، أجاب على سؤالهم "كيف تشعر الآن يا سيدي؟" بـ "أن طلب بيتزا وبيرة". ظن الأطباء أنه تعرض لتلف في المخ. كان عليّ أن أشرح لهم أن هذا سلوك طبيعي بالنسبة له.
على الأرجح أنني عدت للنوم بعد أن أخذوا والدي. على كل حال لم يحدث شيءٌ في تلك المرة. أفرجوا عنه. لم يكن ذنبه أن أخاه الأصغر سرق شاحنة من الجيش الألماني ليأخذ صديقته في نزهة. الألمان كانوا مندهشين، تقريباً مذهولين من الجرأة. أرسلوه للعمل في ألمانيا. لقد قاموا بالمحاولة، ولكنه تسلّل من بين أصابعهم.

وفّر لنا زمن الحرب ملاهي للرياضة وزحاليق وبيوتاً خشبية وحصوناً ومتاهات يمكن العثور عليها في ذلك الخراب عبر الشارع. كان هناك جزء قد تبقى من الدرج، كنا نصعد بين الحطام وفجأة تظهر السماء! ولد صغير سقط على رأسه ولم يعُد أبداً لما كان عليه. أمهاتنا حرّمن علينا الاقتراب من الدمار، هدّدننا، حاولن أن يشرحن المخاطر الكثيرة التي تنتظرنا، مع ذلك كنا نذهب. جالسون بسعادة بين أطلال غرفة طعام شخصٍ ما بالدور الثالث، يأتينا من الشارع تحتنا صياح واحدة من أمهاتنا وهي تشير إلينا بينما ابنها يهرول إلى أسفل مجاهداً في تذكر أين كان يضع قدميه أثناء الصعود. 
كنا نلعب جنوداً، استمرت الحرب. نزلت القنابل. ولعبنا جنوداً. أطلقنا النار على بعضنا البعض طوال النهار. طاخ طخ _ طيخ. سقطنا قتلى على الرصيف. ركضنا بين الزحام مقلدين صوت الطائرات المقاتلة وهي تغطس وتقب.
ثم أصبحنا حاملات قذائف. أسقطنا أشياء من الشباك أو البلكونة على الناس في الشارع. الجاذبية الأرضية هي صديقة القنبلة، أتذكر قراءتي مرة في دليل للجيش. القنابل إما تُحمل تحت الجناح أو توضع في مقصورة خاصة داخل الطائرة. بالنسبة لنا، كان علينا فقط أن نفرد أذرعتنا، نزيد من سرعة المواتير، وندور كمروحة هوائية ونحن نحمل جسماً في أيدينا حتى يتم التخلص من حمولتنا. أحد أصدقائي كان عنده نظارات جيش واقية، وكان يسمح لنا باستعمالها أحياناً.  لقد كانت تجعل قصف الشارع تحتنا أكثر واقعية في عيوننا. 
صوت الطيخ _ طاخ يخرج طبيعيّاً من جنس الذكور. من النادر أن تأتي هذه الضوضاء من فتاة بالشكل الصحيح. ألقينا الحصى على العابرين تحتنا، الطوب على القطط والكلاب الضالة، مدّعين أننا نسقط قنابل أمريكية على النازيين. بعد خمسين عاماً ما زلت أذكر المتعة المحرّمة والخبث في القيام بذلك. الآن حيث تتوفّر ألعاب الفيديو يُمكن للواحد أن يتمثّل الناتو قاصفاً يوغسلافيا، الأطفال يناقشون بدراية القنابل مسترشدين بالليزر وكاميرات التليفزيون. أظن أن فكرتنا عن المعنى الحقيقي لقصف بناية كانت أكثر وضوحاً، مع ذلك لم نتوقّف. كُنّا بلا عقل مثلنا مثل جنرالات اليوم وهم يضغطون الأزرار ويتابعون شاشة الكمبيوتر منتظرين بحماس نتيجة ما قاموا به. 

بدأ البريطانيون والأمريكيون قصف بلجراد يوم أحد الفصح، 16 أبريل 1944. الرواية الرسمية الصادرة عن القوات الجوية الأمريكية تتحدث عن قاذفات ثقيلة "تستهدف قصف لوفتواف وأهداف جوية "بـ" حوالي 397 طناً من القنابل". تقول أيضاً: "نسبة إلى أحد التقارير، فإن عمليات 17 أبريل تسببت في بعض الأضرار لمنطقة سكنية تقع شمال غرب بلجراد/ زيمون أرديروم. ويبدو أن معظم الدمار الذي حصل خلال اليومين، كان ذا طبيعة عسكرية". إنها كلمة "يبدو" المُدرجة بحكمة في التقرير، إنها بيت القصيد وجوهر المسألة.

كان ذلك قبل تناول الغذاء، مائدة الطعام كانت قد أعدت بصورة بهيجة بأحسن ماعندنا من صيني وفضيات عندما وصلت الطائرات. كان باستطاعتنا أن نسمع أزيزها حتى قبل أن تنطلق صفارات الانذار. الشبابيك كانت مفتوحة على اتساعها حيث كان اليوم ربيعياً معتدلاً. أتذكر والدي وهو يصيح من البلكونة "الأمريكيون يرمون بيض عيد الفصح". بعدها سمعنا صوت الانفجار الأول. ركضنا نازلين إلى نفس المخبأ حيث اليوم ما زالت بعض شخصياته الأصلية ترتعد. اهتزت البناية. غطى الناس آذانهم. كان باستطاعة المرء أن يسمع صوت تهشّم زجاج في مكان ما فوقه. ولدٌ أكبر مني بقليل كان قد اختفى. اتضح أنه تسلل للخارج ليشاهد القنابل وهي تسقط. عندما أعاده الرجال بدأت أمه تصفعه وتؤنبه بشدة، كانت تصرخ فيه أنها ستقتله إذا خرج مرةً أخرى. كنت مرعوباً من صفعاتها أكثر من رعبي من القنابل.
في لحظة ما انتهى الأمر. خرجنا نجُرّ أقدامنا بتثاقل. المتحمسون للقصف الجوي إما يفتقرون إلى تخيّل حقيقة ما يحدث على الأرض، أو أنهم عطلوا خيالهم. الشارع كان مظلماً مع بعض اللهب هنا وهناك. الغبار والدخان يملآن الجو، بدا وكأن الليل قد حلّ بالفعل. خرج رجلٌ من العتمة وهو مغطى بضمادات تتساقط. حكى لنا أن أحد الأحياء المجاورة قد تم تسويته بالأرض. كان ذلك عاديّاً. الواحد منا كان يسمع أكثر الاشاعات شناعة ومبالغة في مثل هذا الوقت. آلاف القتلى، جثث ملقاة في كل مكان، وهلم جرا. كان الحيّ الذي يتحدث عنه هو أحد أفقر الأحياء في المدينة. لم يكن فيه أهداف عسكرية. لم يكن ذلك مُبرراً حتى لطفل.
في اليوم التالي للغارة الأولى في 1944، جاءت الطائرات مرة أخرى، وبنفس الطريقة "ألقت حوالي 373 طناً من القنابل على بلجراد/ ساحات سافا مارشالنج"، وأضاف التقرير الرسمي أن "هذا الهجوم تسبّب في دمارٍ عظيم في عربات الركاب والبضائع، نيران كثيفة، مخازن مشتعلة، دمار عظيم لمحطة الركاب الرئيسية، دمار مماثل لجسر سكة الحديد على نهر سافا... إلخ. لا يُوجد ما يشير إلى حدوث تفجيرات خارج الأهداف العسكرية خلال هذه العملية". في الحقيقة، لقد سقطت قنبلة على الممشى أمام بنايتنا ولكنها لم تنفجر.
في بعض الليالي كان والدي يرفض النزول إلى المخبأ ويبقى في فراشه، في حين كانت أمي تصيح عليه من الدرج لينزل. هي كانت مع إخلاء المدينة فوراً؛ بينما اعتقد أبي أن العيش في الريف لا يقل خطورة مع الحرب الأهلية التي في طريقها. هكذا ومع غرابة الأهداف العشوائية لحلفائنا فقد كانت مخاطرة أن نبقى ومخاطرة مساوية لها أن نهرب. طوال ربيع وصيف 1944 كنا نرحل إلى الأمام أو إلى الوراء مشياً على الأقدام. أتذكر صفوف اللاجئين على الطريق، الألمان يفحصون الوثائق ويرعبون الجميع أكثر وأكثر. اليوم طبعاً هناك تليفزيون يسجّل وينشر مثل هذه المشاهد التعيسة.

في 1972 قابلت أحد الرجال الذين قصفوني في 1944. كنت قد قمت بأول رحلة لبلجراد بعد عشرين عاماً تقريباً. بمجرد عودتي إلى الولايات المتحدة، ذهبت إلى تجمّع أدبي في سان فرانسيسكو حيث قابلت بالصدفة الشاعر ريتشارد هيوجو في مطعم. تحدّثنا، سألني كيف قضيت الصيف، أخبرته أنني عدت للتو من بلجراد.
قال: "آي نعم، بإمكاني أن أرى هذه المدينة جيداً"
دون أن يعرف خلفيتي، انطلق يرسم على مفرش المائدة، بقطع الخبز وبقع النبيذ، موقع المبنى الرئيسي لمكتب البريد، الكباري على نهريّ الدانوب والسافا، وبعض المعالم الأخرى الهامة. دون أية فكرة عن معنى ذلك، مفترضاً طوال الوقت أنه زار مرة المدينة كسائح، سألته كم من الوقت قضى في بلجراد.
أجابني: "لم أزرها أبداً، أنا فقط قصفتها عدة مرات"
بذهول من المفاجأة، اندفعت قائلاً لقد كنتُ هناك وقتها وأنني أنا من كان يقوم بقصفه. أصبح منزعجاً للغاية. في الحقيقة، كان مهزوزاً بشدة. بعد أن توقف عن الاعتذار وهدأ قليلاً، سارعت أؤكد له أنني لا أحمل شيئاً ضده وسألته ما هو السبب في أنهم لم يقصفوا مقر الجُستابو ولا أي مبنى آخر حيث كان يتواجد الألمان. شرح لي هيوجو أن الغارات الجوية كانت تنطلق من إيطاليا، مستهدفة أولاً حقول النفط الرومانية، التي كانت لها أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة للنازيين حيث كان يتم الدفاع عنها بضراوة. في كل غارة جويّة كانوا يفقدون طائرة أو اثنتين، ومع ذلك كله، في طريق عودتهم لإيطاليا، كان عليهم أن يتخلصوا من حمولاتهم فوق بلجراد. حسنٌ، كانوا في غاية الحذر. يطيرون على ارتفاع عالٍ ويلقون ما تبقى من الحمولات بأي طريقة ممكنة، في استباق ليعودوا إلى إيطاليا، حيث يقضون بقية اليوم على الشاطيء مع بعض الفتيات المحليات.
أكدتُ لهيوجو أن ذلك بالضبط ما كنت سأفعله عن نفسي، لكنه استمر يطلب الغفران ويبرر موقفه. لقد كبر في منطقة قاسية في سياتل، في أسرة فقيرة من الطبقة العاملة. أمه، كانت مراهقة، وكان عليها أن تتخلّى عنه بمجرد  ولادته. كنا لاعبيْن صغيريْن مرتبكيْن في أحداث أكبر من سيطرتنا. هو على الأقل اعترف بمسئوليته عما فعل، هذا ما لا نسمع به في حروب اليوم الخالية من الخطر حيث الموضة هي تحميل مسئولية الأخطاء على التكنولوجيا. هيوجو كان رجلاً يتمتع بالنزاهة، واحداً من أفضل الشعراء في جيله، و، قد يبدو هذا غريباً، لم يخطر ببالي أن ألومه على ما قام به. مع أني كنت على الأرجح سأبصق في وجه ذلك الغبي الذي قرر الموافقة على طلب تيتو بأن يضرب الحلفاء مدينة مليئة هي نفسها بالحلفاء يوم عيد الفصح. مع ذلك، اندهشتُ عندما كتب هيوجو قصيدة عما فعله وأهداها لي. كيف تكون الأمور معقدة إلى هذه الدرجة، كيف لا تكفي محاولاتنا لأن نقف في وجه الريبة غير المعلنة حيث لا شيء في جحيمها يمكن فهمه على الإطلاق.

رسالة إلى سيميك من  بولدر
عزيزي تشارلز: هكذا تقابلنا مرةً في سان فرانسيسكو وأعرفُ 
أنني قصفتك منذ زمن طويل في بلجراد عندما كنتَ في الخامسة.
أتذكّر. كان هدفنا جسرٌ على نهر الدانوب
نأمل أن نُحاصر جيوش الألمان بينما هي تفرّ من اليونان إلى الشمال،
ضيّعنا الهدف. ليس هذا من غير المعتاد، بما أنني كنت واحداً من المهاجمين. 
لم يكن  باستطاعتي أن أضرب مؤخرتي 
حتى إذا جلستُ على جهاز التحكّم أو امطيت قنبلةً ونزلت وأنا
 أغني  النشيد الوطني الأمريكي.
 أتذكّر بلجراد تتفتّح مثل وردة عندما وصلنا. 
لا مدفعيّة مضادة للطائرات. لم أعرف شيئاً عن الشنق اليوميّ، الثمانين 
ألف سُلافي الذين تدلّوا من الحبال الألمانية في المدينة، كعبرة للآخرين.
كان كل همي أن أبقى على وجه الحياة، تلك اللحظة
تخفّفت الطائرة من حمولة القنابل ونحن عُدنا.
أية لغة كنت تتحدث وقتها؟ الصربية، على ما أعتقد. وماذا كان عقلك
يفعل بالعواء الرهيب للقنابل؟ ما هي كلمة "خوف" بالصربية؟
يجب أن تكون هي الكلمة نفسها بالانجليزية، عويل بدائي طويل
لأطفال يموتون، نظرة طفلٌ مُثبتة للأبد في الموت.
أنا لا أعتذر عن الحرب، أو لما كنتُهُ. كنتُ مشوشاً وقتها عن طيب خاطر. 
أظن أنني حتى آمنت بالبطولة (للآخرين، وليس لنفسي)، صدقت في ضرورة
ذلك العالم المُعذَّب، آملاً أنه سيتعلّم ألا يفعل ذلك مرةً 
أخرى. لكني كنت صغيراً. العالم لا يتعلّم أبداً. التاريخ
 لديه طريقة لجعل الماضي مُستساغاً، لجعْل الموتى حُلم.
عزيزي تشارلز، أنا سعيدٌ أنك تفاديت القنابل، أنك
تعيش معنا الآن وتكتب قصائد. لابد لي أن أخبرك مع ذلك،
لقد استغربت ذلك اللقاء في سان فرانسيسكو. ظللت أكرر لنفسي، 
كان على الأرض في ذلك اليوم، صفار السماء المخيف
ومحرّكاتنا تزأر بكل شيء في طريقنا.
في لحظات كهذه يصبح العالم صافياً للناجين.
العالم يصبح صافياً كسحاب الصيف، كالبياض النقي المنفوخ،
طيورٌ ناعمة تمرق وتدخل وتخرج،
حياتنا لديها فرصة لأن تنجرف ببطء فوق العالم،
مخازن القنابل فارغة، الهدف منسيّ، العدوّ يتم تجاهله.
لطيف أن أقابلك أخيراً بعد الكراهية بدون سبب. المرة القادمة،
 إذا أردت أن تتأكد من نجاتك، اجلس على الجسر الذي
أحاول ضربه ولوّح لي. أنا قادم على الطريق الصحيح لكني
قلقٌ وعدسة مسدسي ترفرف.
أمن أنتَ، أينما كنتَ على الأرض. أما أنا فأصوّب ناحية الهدف
ولكن قنابلي من الحلوى وقد تُهتُ عن الطائرة التي ترشدني.
                                             صديقك دِك. 







Thursday, 3 July 2014

Love الغرام


الغرام


 
 
بعد سنواتِ تأملهِ من الشُّباك
ووضْعِهِ أحياناً مع الحبوبِ المهدئةِ في حقيبةِ الظهرِ
فجأةً ينفجرُ الغرامُ من حيث لا تتوقع
الأمرُ لا يخلو من نوايا أدبيّة
مثلُ كَشْطِ الصدأ عن كلمة "غرام" نفسها
وغسْل كلماتٍ مثلِ "هَجْر"، "وصال"، "ضَنا"
 من اللعاب الذي بلّلها أثناء الغناء.

 
إذا كنتَ شاعراً عربياً فلابد أنك كتبت عنه من قبل
ذلك أنك لا بدّ تُهت في صحراء الهوى سنوات
تبحثِ عن الحيوان الخرافيّ الذي يحتلُّ عينَ الماءِ الوحيدة
فتقتله
ثم تبكي جريمتك الحتمية من أجل شربة ماء
وحتى بعد دخولك إلى أمان العائلة
تظلّ شاعراً
الغرامُ سيئُ السمعة
الغرامُ أسوأُ موضوعٍ للكتابة ولا شك.



 
أبحثُ عن ملهمةٍ في كل قصيدة أقرؤها
يعلّقُ الشاعرُ مُلهمتَهُ على الحائط ويثبِّت أطرافَها بالمسامير
الصورةُ موضوعُ الاستيهام، تبدأ من عينيّ الضحيّة
وتنتهي حسب درجة القربِ  من الحداثة - بين فخذيها -
 أوعلى أحسن تقدير بالوعي بأنها ضحيّة.
لعبتُ هذا الدور في أوقات الفراغ
ولحسن الحظ لم أقابل شاعراً عظيماً قط
وخرجتُ من التجارب بكراهية المُلهمات.


 
جسرٌ من الشيفون
وعليكَ أن تعبرَ فوقه إلى الشاطئ الآخر
بالطبع ليس ذلك برّ الأمان،
أنتَ لن تصلَ إلى هناك كما أنت
لأنك للتوّ ستسقطَ في الماء الآسن
أكثر من يدٍ ستمتدّ لانتشالك ؛ لأصدقاءَ يظنون أنهم مجربون
وشعراءَ مهمتُهم تأمل السقوط وطبيبٍ نفسيٍّ يسلّي أرقَهُ
وليس من بينها يدُ الله فلا تحزن
ستخرجُ فجأة أصابع من إعلانات التجميل
لتمنَحك جلداً مصقولاً
وبعدها لن تخشى السقوط ثانية.


 
ينجح الغرامُ في جعْلنا أصلاءَ وأنانيين،
أنانيين بأصالةٍ وأصلاءَ في أنانيّتنا... الخ
ولا شيءَ يكفي
حتى ليبدو ذلك الذي قال أن القناعةَ كنزٌ لا يفْنى
وكأنّه ثبَّت الحواسَ في درجة الصفر
ماشياً صوب الصحراءِ
وهو يصفِّر بـلحنٍٍ يشبه: " أنا أنت وأنت أنا"




LOVE

After watching for it for years from the window
and tucking it with anti-depressants in a backpack,
love suddenly explodes where no one expects.
The situation does not lack literary intentions
like scraping rust off the word “love”
and washing words like “abandonment,” “connection” and “weariness”
from all the saliva that soaks them when they are sung.


If you are an Arab poet, you must have written about that topic.
You were probably lost for years in the desert of infatuation
seeking the mythological animal who occupies the only spring
so that you can kill it.
Then you weep regretting your preordained crime done only for a drink of
        water,
and even after you safely return to the family fold
you remain a poet.

Love has a bad reputation.
Love is the worst topic there is, no doubt.


I look for a muse in every poem I read.
The poet hangs his muse on the wall and straightens out her limbs with pins.
The image, which is the subject of inspiration, begins with the eyes of the victim
              and ends according
to one’s proximity to Modernism—between her legs—
or at best, with a recognition of her victimization.
I played this role in my spare time,
and I was lucky that I never met a great poet.
I left those experiments with contempt for the muses.


A bridge of chiffon
and you must cross it to the other shore.
Of course this is not “a safe harbor.”
You will not be the same person when you reach it
because immediately you will fall into the brackish water.
More than one hand will try to snatch you, hands of friends who consider
          themselves experienced,
poets whose function is to witness the fall, and a psychologist wiling away his
          insomnia.
None of them will be the hand of God, so no need to worry.
Fingers from beauty-product commercials will reach for you
to offer you exfoliated skin,
and you will never fear to fall again.


Love succeeds in making us authentic and selfish,
authentically selfish and authentic in our selfishness … etc.
Nothing from then on will suffice
as if the one who had said “contentment is an endless treasure”
had affixed the senses at degree zero
and walked towards the desert
whistling a tune resembling “I am you, and you are I.”


"Love" was published in 2006 Alternative Geography by Dar Sahrqyaat, Cairo.
In 2008 English translation by Khaled Mattawa, These Are Not Oranges, My Love. Sheep Meadow Press, New York.
The poem is chosen among the 50 Greatest Modern Love Poems List over last 50 years by poetry specialists at the Southbank Centre, London.
http://www.theguardian.com/books/2014/jul/02/fifty-greatest-love-poems-30-different-countries?CMP=twt_gu


 


Tuesday, 8 April 2014

الصوت في غيْر مكانِه




لنفرض أن الصوت هو خيط من الضوء يمتد بين فم المتكلم وأذن من يسمعه، بين النية وما تؤول إليه من تأويل في ذهن متلقيها. وأن اللكنة ذبذبات ملونة تتواتر حول هذا الخيط ولا تتطابق معه، أنها قد تساعد في تدعيم ضوء الخيط أحياناً كأنها رسالة إضافية لنيته، وأنها قد تقطعه وتعطله أحياناً أخرى. كلمة واحدة تسقط من جملة ملضومة في حبل مضيء كافية لأن يتوتر الخيط ويهتز، تتسع عينا صاحب الأذن وتنشط حاسة البصر لالتقاط الكلمة التي تسقط بفعل اللكنة  قبل أن تصل إلى الأرض. قد تتسع عينا المتكلم أيضاً، قد تحضر أعضاؤه كلها بلغاتها لتساعد في توصيل نيته رغم انقطاعاتها إلى الأذن التي تنتظرها. أظن أنني أفكر بالصوت الفردي هنا لا كمنتج فيزيقي للحبال الصوتية التي يحملها الهواء، ولا كحامل لنية اللغة وهدفها ولا كنقيض للموت، بل كطاقة تولّدها اللكنة لكي تحمل الصوت الفردي واللغة التي ينطقها والنية التي يقصدها. 

طاقة اللكنة تتبع وقتاً / إيقاعاً آخر يخص اللغة الأم، وعندما يحملها الصوت في لغة أجنبية يولد التشوش الذي أتخيله وكأنه محاولة نطق لغتين في نفس اللحظة، واحدة ظاهرة والأخرى مختفية، واحدة تتحرك والأخرى مركونة تحارب ضد الاهمال والترك.  اللكنة ليست أحد أمراض النطق بالضرورة بل هي دفاع اللغة الأم المستميت ضد الفناء؛ منافسة اللغة الأجنبية عبر تخريب العلاقة بين الصوت وإيقاعه، فيُبتر مقطع هنا أو هناك، يتسارع حرف غريب حيث كان يجب أن يتباطأ، يقفز صوت على رأس صوت آخر ويقضم جزءاً من فضائه. التخريب قد يأتي أيضاً من كرم اللغة الأم في التعامل مع الوقت، فتضيف حركاتها لسواكن لغة الأجنبية، فيصبح  street Estreet و cloth clothES .
إذا تخيلنا أن صاحب اللكنة وهو يتلفظها هو فرد في غير مكانه  فلنتخيل معاً أن اللكنة هي صوتٌ في غير مكانه. قد يتدرب صاحب اللكنة على أن ينتمي لمكانه الجديد، قد ينجح في تخبئة لكنته أوفي قمعها طويلاً، ثم تأتي تلك اللحظة التي يخونه فيها التدريب. ليست مصادفة أن لحظات الغضب هي أكثر اللحظات التي تقب فيها اللكنة بكامل بهائها، ربما لأن الغضب ألصق باستنفار الأحبال الصوتية من الرضا، أكثر تهييجاً للذاكرة واستحضاراً للغة الأولى التي تنتقم بممارسة صوتياتها وبإشاعة الفوضى. صاحب اللكنة ليس بالضرورة مهاجراً من لغة إلى أخرى بل قد يكون مهاجراً من لكنة إلى أخرى داخل نفس اللغة؛ عم عوض بواب العمارة التي أسكن فيها في القاهرة يتحدث للسكان بأدب جم، بقاهرية لا غبار عليها، تقفز لكنته الصعيدية بمجرد أن يصرخ في أحد أبنائه أو يتعارك مع أحد بوابي العمارات المجاورة.
**
صوت شخص ما قد يكون أكثر فردية في لغته الأم، يتم التعرف عليه بنبرته الشخصية، بـ "حبّته" و"تضلّعاته" إذا اعتمدنا على رولان بارت[1].  حين يحمل الصوت لغة أخرى تشوّش اللكنة على فرديته، تشير بدأب إلى الصوتيات الجماعية المختبئة للغته الأولى. صوت الـ  H في الانجليزية يصبح أقرب إلى الخاء العربية عندما تتحدث لي ناتالي زميلتي في العمل. إنه صوت الروسية وليس ناتالي فقط. في سنتي الأولى في أمريكا كان صوت حرف الـ P يبدو لي مثل حجر قادر على إسقاط أي كلمة تحتويه من خيط الضوء الذي أقف وراءه. هذا هو الحرف الذي نسميه بالعربية باء ثقيلة، حرف ليس من لغتنا ويكفي الفشل في نطقه لتخمين أن العربية هي لغة المتكلم المركونة في الداخل.
**
عندما تقدمت لوظيفة أستاذ في جامعة ألبيرتا كان عليّ أن أمر بكل ما تستدعيه المنافسة في سوق العمل الأكاديمي من اختبارات: تدريس فصل لطلاب أمام لجنة أكاديمية، مقابلات منفردة مع الأساتذة والطلاب والعميد، ولكن أقسى الاختبارات كان إلقاء محاضرة لمدة 45 دقيقة أمام حشد من الأكاديميين والجمهور الجامعي. لم يكن مضمون ما أريد قوله هو ما يرعبني بل كيف يمكنني أن أقوله بنعومة وبدون الاصطدام بمطبات الكلمات الطويلة، الكلمات ذات السواكن بلا حركة تفصل بينها، الكلمات المفصلية التي يعني سقوطها من التواصل سقوطي في الوصول إلى الوظيفة. بدت اللكنة في تلك اللحظة مثل عاهة نطق يجب التقليل من خسائرها.
البصريّ واصل بن عطاء (80- 131 هـ)؛ الفقيه المعتزلي الفصيح الذي يُشار له بالبنان كان يخطب بلغته الأم، وكان أعداؤه يتنمرون عليه بسبب لثغته؛ بسبب صوت واحد لا يستطيع نطقه كما يجب وهو حرف الراء. عبقرية ابن عطاء اللغوية ألهمته أن يخبيء عاهته بتفادي الكلمات التي بها هذا الحرف، كان عليه أن يستبدل قرب بدنو، أنوار بآلاء، يغفر بيعفو، فراش بمضجع ومطر بغيث.  له خطبة كاملة بدون حرف راء واحد. هذا ما كان عليّ عمله، تفادي الأصوات التي قد تبعثرها اللكنة فلا تصل لأحد. لا أذكر الآن كم من كلمات تم استبدالها لكني أذكر أن أفكاري كانت تتطور وتنتعش بسبب لعبة الاستبدال. بعض الكلمات لم يكن ممكناً استبدالها وأذكر منها كلمة: Architecture، آرك تيكْتْشر، هكذا حاولت أن أراها بحروف عربية، بجسد لغة أليفة حتى أتذكرها. لحظة نطقي بالكلمة في المحاضرة ترجرجتُ، خُيّل إليّ أن مسجداً أموياً بالتحديد ينهار في مكان ما وأن صوت زجاج شبابيكه المتكسرة يخرج مع صوتي.
 **
 لا يختار صاحب اللكنة الكلمات الأكثر دقة في لغته الأجنبية ليعبر عما يريد قوله كما يُفترض أن يفعل في لغته الأم، إن عليه تفادي الكلمات التي رغم دقتها قد تعطل صوته لأن ذبذبات اللكنة قد تقطعها بأكثر من طريقة. اللكنة تختار لصاحبها كلمات مناسبة بتفادي كلمات أخرى قد تكون أكثر دقة ولكن صوتياتها مستحيلة.  يمكننا تخيل أن غياب الدقة قد يشوش مضمون الرسالة المتلفظ بها عنما تصل لأذن من عليه تأويلها. يمكنها أن تعطل وصول الرسالة ربما، لكن الأكثر جمالاً هو أن نتخيل تلك اللكنة وهي تغير مضمون الرسالة أو تحول مساره، تستبدل رسالة باردة برسالة أكثر حناناً، أو جملة متحفظة بجملة أكثر جرأة.  بعد وصول رسالة لم يقصدها صاحب اللكنة قد يُفاجأ بجمالها، حتى ولو لم يقصدها فإنها وُلدت وسيكون محبطاً للأذن التي تلقتها أن يصححها طبقاً لنية هو وحده من يعرفها. يكون عليه أن يستمر مع خطأها فيراوده إحساس أشبه بـ "الشطح". اللغة ليست وحدها عاجزة بل الصوت أيضاً عاجز، اللكنة تجعلك تتداعى مع الكلمات كي تنتصر على عجز صوتك مثل متصوف، تأخذك لمسارات ورسائل وأحوال لم تظن أنها موجودة إلا بفضل لعبة الاختيار والتفادي اللانهائية.
**
الجسد هو دعامة بصرية يعتمد عليها خيط الصوت في الوصول بلكنته وبالرغم منها. غياب الجسد يجعل الخيط ضعيفاً وعرضة للتقطع والضياع. كثيراً ما يكون سهلاً أن أفهم شخصاً ما عندما نتبادل حديثاً وجهاً لوجه، على الهاتف تتضخم الانقطاعات ويتم التحجج بأن سماعة الهاتف قديمة وسيئة من أجل أن يكرر المتحدث جملته. الأمان الذي يشعه الجسد الذي نتحدث إليه يهديء من روع الصوت، يساعده ليس على التخلص نسبياً من لكنته بل على تجاهلها. عندما تتوقع أن الأذن التي تتحدث إليها لن تفهمك قد ترفع صوتك أكثر لتؤكد حضورك، لتصبح مرئياً، لتشغل أكبر حيز من الفراغ يمكن لصوتك أن يحتله. ولكن قد تخفض صوتك أيضاً وكأنك تريد أن تختفي من مشهد محكوم عليك فيه بالفشل. في الحالتين تتحكم اللكنة في الصوت وتهيمن على درجته.
 عندما كنت أذهب مع جدتي من القرية إلى مدينة المنصورة أوالقاهرة لزيارة مريض في مستشفى أو أقارب متمدينين، كانت تبدو لي كشخصٍ آخر، ملابسها كانت تبدو ضيقة لأنها ملابس الخروج المركونة في الدولاب والتي لم تلبسها منذ زمن، الذهب أيضاً الذي لم تكن ترتديه أثناء حياتها اليومية بين الخبيز والطبيخ كان يغير شكل وجهها ورقبتها، خشونة أصابعها كانت تلفت نظري عندما تزينها بالخواتم. مؤكد أن خروجها من ترف ممارسة سلطاتها على أفراد أسرة كبيرة داخل بيتها إلى مجرد زائرة في مدينة واسعة كان له دور في شعوري باختلافها عن ما أعرفه عنها، ولكن اللكنة أيضاً كانت تلعب دورها في ذلك. أتخيلها الآن تقول شيئاً من قبيل "محمد أبو اسماعيين اتجوّز نوها". لابد أن صوت "اسماعين" بدلاً من "اسماعيل" و"نوها" بدلاً من "نُهى" كان يشككني في سلطتها المطلقة ويشعرني بتوتر لم أكن أدري له سبباً محدد.
لا تصبح اللكنة مصدراً للشعور بالعار ولا تجعل صاحبها يتوتر إلا إذا كانت دلالة على وضعيته الأقل من وضعية الأذن التي يتوجه إليها بصوته. ما يحدد الوضعية يكون عادة أكبر من حبل الصوت ونيته، قد تكون علاقة المركز بالأطراف، علاقة المستعمر بلكنة سكان مستعمراته وهم يتحدثون لغته، التعليم بالأمية، المدينة بالريف، الطبقات المحظوظة بالطبقات الأقل حظاً. لا يمكنني أن أتخيل صاحب لكنة اكسفوردية يشعر بالعار وهو يتحدث مع صاحب إحدى لكنات الطبقة العاملة في انجلترا، ولا باريسيّ يتوتر وهو يسمع لكنته جنباً إلى جنب مع لكنة مهاجر من السنغال. اللكنة هي مجاز شفاف عن علاقات القوة.
أحياناً تحاول اللكنة الأكثر دونية في علاقات القوة هذه أن تتخلص من عارها بأن تحتمي بغربتها وغرابتها، بأن تكون "أكزوتيك". أعتقد أنني أقوم بذلك في بعض الأحيان لكني لا أنتبه لذلك إلا عندما أرى مثقفات يقمن به أثناء إلقاء محاضراتهن في المؤتمرات الأكاديمية أو كاتبات من أماكن أخرى يناقشن أعمالهن مع جمهور يتحدث اللغة الأكثر قوة- لغة المركز. لي صديق مصريّ كان له حظ الحصول على تعليم إنجليزي منذ الحضانة وقضى سنوات الجامعة في إحدى جامعات انجلترا، هذا الصديق قال لي مرة مغازلاً أو مجاملاً: "أحب انجليزيتك". فاجأني رد فعلي الغاضب على جملته؛ لا أحد يحب أن يكون "اكزوتيك" في بيته، شعرت أن صديقي يمارس نوعاً ما من التفوق أمامي، ذلك أنه لكنته تجعله أقرب إلى الانجليزيّ "الأصليّ" الذي يمكن أن يدرك أو يحب الأكزوتيك في التحدث بلغته.
**
 بعد كل هذه السنوات من التحدث والتدريس والكتابة بلغة أجنبية، من الصراع مع اللكنة، يفاجئني أحياناً شعور بأن صوتي بالعربية مختلف عن صوتي بالانجليزية، ليس أفضل أو أسوأ، فقط مختلف. أتذكر مرة دهشتي حين استمعت بالصدفة لرسالة مسجلة كنت تركتها على تليفون بيت صديقة استوضح منها العنوان الذي تهت كالعادة عنه. يعجبني أن أؤوّل أجامبن الذي رأى أنه لا يمكن التفرقة بين النطق والخطاب في الصوت الذي يلفظهما[2]. صوت تائه متوتر، صوت بلكنة؛  لا يمكن إلا أن يكون خطابه سؤال عن طريق للوصول أثناء رحلة من التهتهة والتوهان.







[1] - Barthes, R "The Grain of the Voice", Image, Music, Text, translated S Heath, Hill and Wang, New York, 1977.

[2] - Agamben, G "Language and Death: The Place of Negativity", Theory of Literature Volume 78 


نُشرت هذه المقالة في كتاب "الأذن الوسطى" الذي ضم نصوصاً لمحمد عبد النبي، إيمان مرسال، ياسر عبد اللطيف، هاني درويش، وائل عشري، دعاء علي وهيثم الورداني. قام بتحقيق الكتاب مها مأمون وهيثم الورداني وصدر عن مؤسسة الشارقة للفنون 2011.

Wednesday, 29 January 2014

عن الكتابة





أنت لا تعرف لماذا استبدلت هذه المفردة بأخرى، حرّكت ذلك المقطع إلى أعلى الصفحة ومحوتَ ما كان النصّ قد بدأ به. ما محوْته هو بالضبط ما كان يسيطر عليك منذ عدّة ليالي بينما تحاول أن تنام، ثم عاد إليك بالأمس وأنت عائدٌ من العمل إلى البيت وفاجأك بصورة جديدة عندما استيقظتَ اليوم؛ المقطع الذي محوته بدون ندم هو ما كان قد شجّعك على أن تجلس أخيراً وتكتب. لقد بدا في لحظة سابقة وكأنه نواة ما يشغلك... أين تذهب كل هذه الكلمات التي يتم حذفها من نصٍّ يُكتَب؟ هل تترك ما يدلّ على حضورها قبل أن تختفي، وهل تعود للحياة مرةً أخرى في نصٍ آخر؟



مِن الصعب حقاً أن نكتُب  عن "الكتابة"، تبدو الإجابات على أسئلة مثل لماذا تكتب وما الدافع، ما علاقتك بها، لماذا أنت مُقلّ أو غزير الإنتاج، مثل إجابات على أسئلة من قبيل: من أنا؟  لماذا أنا هكذا؟ كأنك تعرف، الأدهى أن تتصوّر أن إجابتك أيّاً كانت ستساعدك على "تعريف" ما تظنه نفسك.  أظنّ أن أهمّ ما في فِعْل الكتابة هو فِعل الكتابة نفسه؛ الكتابة بكل بساطة –  أوتعقيد – مِزاجٌ؛ مِزاجٌ فرديّ وخاصّ ومن المستحيل وصفه مِن الداخل دون أن يبدو الواصِف وكأنه يتكلّم عن شيء آخر من قبيل مركزيته وهو يكتب، خبرته، مُعاناته، تصوراته، طقوسه... إلخ. أنا لستُ مشغولة بذلك في الحقيقة؛ إذا كان عندي سؤال يخصّ الكتابة فهو: كيف يعيش مَن لا يكتبون؟ أقصد كيف يتنازلون عن إمكانيّة أن يقيموا علاقة مختلفة بالحياة عبر الكتابة؟ 


هل في مقدرة مهن وهوايات مثل الطب والنجارة والشطرنج أن تعيد تشكيل هوية شخص ما!! لا أدعي أن "الكتابة" في حد ذاتها تستطيع القيام بذلك (انظر إلى كل هؤلاء الكُتّاب الذين يدافعون عن هويّات صلدة وجاهزة قبل أن يولدوا أو يكتبوا)، لكني أظن أن في استطاعتها أحياناً القيام بذلك، مثلما يمكنها أن تجعل حياة شخص ما مضطربة بشكلٍ مهول. ربما لا يمكن وصف هذا الاضطراب إلا بتقديم سرد عنه مما سيجعل من يقدمه موضوعاً للتشريح في معمل. أقول ذلك وليس في خيالي الصورة المبتذلة للكاتب المتنصل، المتفرّغ للتأمل، المتعالي على العامة والدهماء؛ بل صورة كاتب مثلي ومثلك، يعمل من أجل أن يعيش، قد ينجب أطفالاً فلا يتخلّى عنهم، ويقبل مسئوليته المباشرة تجاه المجتمع والعالم ليس كمصلح ولا نبيّ بل كفرد يعيشُ الآن وهنا. أتخيله شخصاً وحيداً وليس باحثاً عن الوحدة كشرط لأن يكتب. أنه يقاوم بئر وحدته الذي يسقط في قعره أحياناً بالكتابة فلا يغرق، بالكتابة يظن - واهماً ربما- أنه يصنع خروماً في سياج حوله فيتواصل مع أشباهه. قد يتعطل كثيراً في قعر بئر أو خلف سياج بما يعني أن الكتابة كالحياة تجربة وإعادة اختبار دائم.
 

لعلّ أجمل ما فِعل الكتابة هو تعدّد الاختيارات، لانهائيّتها. كأننا نتعلّم ونحن نكتب حُريّة الاختيار بين إمكانات شتّى لم نر مثلها في الواقع، إنّها الحُريّة الوحيدة التي نعمل من أجلها بإخلاص، ذلك أننا نستحقها.. إنها أكبر من الحُريّة التي حصلنا عليها أو حتى طالبنا بها داخل الأسرة والمدرسة والعمل والصداقة والحب. لا أعني بهذا أن الكاتب حرٌّ تماماً عندما يكتب؛ فاللغة التي يكتب بها هي أقدم وأقوى أعدائه، كما أنه لا يمكن امتلاك الكلمات اللازمة لنُمسك لحظة واحدة من الحياة في هذه المسافة المحدودة من الوقت على هذه المساحة البيضاء من الصفحة. 


بدأتُ في سنة 2004 كتابة مشهد يُهدم فيه بيت الأهل، ويخرج شَعر الأم الميّتة من شق قديم في جدارغرفتها. كان المشهد هناك كاملاً في الطفولة، واقعيّاً، بعيداً، حدث بالفعل.. لكنه يُفلت بمجرد استخدام الكلمات.. يصبح مشهداً خياليّاً مرة، دراميّاً أُخرى.. كأن كتابة بيتٍ يُهدم ويطاردك من الذاكرة يعني أن تهدمه مرةً أُخرى وتكون تحت الأنقاض تُعارك لُغتك الأم – أظن أننا لا نتعارك إلا مع لُغتنا الأم – لتخرج بمشهدك من هيمنتها.  بعد عدّة محاولات كتبتُ أن "شعر أمي يطلع كهديّة، كعقاب، أيّة علاقة تجمعنا الآن؟ أعطيتُ فساتينها صدقةً لأنها لا تناسبني، ولو تقابلنا الآن فسأبدو لها مثل أختٍ كبرى". بمجرّد كتابة هذا المقطع اكتملت القصيدة بسلاسة وفي دفعة واحدة _ وكأن مشهد هدم البيت وجد جوهره _  ثم نُشِرت في مجموعة "جغرافيا بديلة" 2006.  لا يوجد دليل أن المشهد قد تمّت كتابته، أو أن نبرة الصوت هذه هي ما كنتُ أبحث عنها وهذا أيضاً أحد الأشياء التي تُسحرني في الكتابة؛ أن "تتصوّر" للحظة أنك وصلت تماماً إلى ما تريد أو أن النصّ هكذا انتهى. 


في صيف 2010، قال لي صديقي عبد الحكم سليمان أنه وجد في صندرة شقته صندوقاً مليئاً بأوراقي وأنه ربما يعود إلى مُنتصف التسعينيّات. أنا مثل معظم مَن أعرفهم تنقّلت في شقق عديدة في تسعينيّات القاهرة وأضعت أشياء كثيرة حتى أنني لا أعرف ما هي. عندما فتحت الصندوق، وجدت تحت طبقة رقيقة من التراب يوميّاتي في كراسات دراسيّة مُجلّدة، تمتدّ من الصفّ الخامس الابتدائيّ وحتى التخرُّج من الجامعة. احتوى هذا الكنز أيضاً على رسائل عاطفيّة ومجلّات حائط وبيانات سياسيّة وتذاكر سينما وقطارات ومسودّات لمعظم القصائد التي كتبتها في حياتي قبل 1994 سواء نُشِرت أم لا... كانت هناك مفاجآت أكبر من كل توقّعاتي وكان من أكثر ما أدهشني، وجود قصيدة لا أذكرها على الإطلاق تعود إلى 1983 أي وأنا ما زلت طالبة في المرحلة الثانويّة؛ القصيدة هي مشهد هدم بيت الأهل وخروج شعر الأم كـ "هديّة من الموت.. كاعتذار متأخّر عن الغياب". كانت واحدة من تلك اللحظات التي تُخرج الحياة لك لسانها فيها ... إنها ليست مجرّد محاولة جيّدة تجاه مشروع قصيدة أخرى، أكثر إخلاصاً أو"صدقاً" ربما... أقلّ "لعباً" أوطموحاً ربما ... بل كأنك ترى نفسك أيضاً عندما كنت مشروعاً لشخصٍ آخر. الأكثر رعباً، أن تكتشف أن مشهداً ما ظل يُطاردك كل هذه السنوات دون أن تعرف.. أن اختياراتك تجاه اصطياده قد تكون قد تغيّرت كثيراً ولكن هذا لا يمنع أنك ظللت مشغولاً بنفس المشهد، بنفس المنطقة من الذاكرة وأيضاً دون أن تعرف..  


لا أتخيّل الاختيارات على صفحة بيضاء أو شاشة قرارات مُتعاقبة كواحد، اتنين، تلاتة.. أبداً.. أظنها مُتشابكة، متداخلة مع بعضها البعض ومع الحياة خارج النصّ. بهذا المعنى ليس في اختيارات الكتابة صح أو خطأ، أكثر غرابة أو أقلّ جمالاً، أكثر تجديداً أو أقل رقابة.. هناك فقط ما هو أعمق في أصالته وفي طموحه للتواصل في هذه اللحظة بالنسبة للشخص الذي يكتب. كأنّ كل نصّ هو رحلة غامضة تبدأ من مفردة، من مشهد، من رائحة أو صوت، من تصدّع ضبابيّ لا تعرف متى بدأ ولا كيف سينتهي. رحلة توازي الحياة، تتورّط فيها أوتنهل منها ولكنها أيضاً تحاول هدمها كواقع أو خلقها مرة أخرى كما في حُلم.

 كلمة "رحلة" تجعل هذا النشاط الفرديّ وكأنه بالغ الجديّة والصعوبة، ربما يبدو كذلك حين نراه من بعيد ولكني أظنّ أنه في جوهره لا يخلو من اللعب والحماقة؛ مثلما يخلق طفلٌ حياة موازية أبطالها كائنات من الطين ويتحدّث إليها ويردّ بالنيابة عنها وهو يعرف أن الكبار سيعاقبونه لأنه وسّخ ملابسه. 


  ليست كل الاختيارات واعية بالضرورة، كأنك وأنت تكتب تمشي خلف خيط خافت من النور ولا تعرف إن كنت ستجد أي شيء في طريقك أم لا. غياب المرجعيّة والدليل هو ما يجعلك تستمتع باللعب ... لهذا لا يُوجد تراكم خبرة في الكتابة، ما كتبته من قبل ليس رصيداً صالحاً للاستثمار. لو حاولت أن تمسك نفس المشهد من نفس زاوية النظر الآن فستكتب نصّاً أسوأ مِن لو قلّدك كاتبٌ آخر. هناك اختيارات جديدة، وطرق جديدة للعب...أحياناً تكون هناك مفاجآت في انتظارك، كأنها جوائز المشي في العتمة. أحياناً تعود من الرحلة خالي اليدين .. ولكنك تعرف أن المحاولات الفاشلة ليست فاشلة تماماً. ربما لا يولد النص عندما نبدأ بكتابته، بل تبدأ علاقتنا في الانتهاء به مع كل مسودة يتشكّل فيها، تنتهي ملاحقة مشهد ما، مزاج ما لنا. نتحرّر من ثقله وسيطرته علينا بكتابته. لهذا فالمسودات تخصّنا بينما النصّ المطبوع يصبح نصّاً عاماً لا يخصّ كاتبه حتى ولو لم يقرأه أحد. إنه كعمل الخير الذي رميناه في البحر أو كـ العمل "الردي" الذي يظهر لك كفضيحة من الماضي بين وقتٍ وآخر. 


نُشِرت هذه المقالة في عدد ديسمبر 2013 من مجلة الثقافة الجديدة في القاهرة، ضمن ملف عن إيمان مِرسال عنوانه  "الحُضور المُشعّ للتفاصيل".