Iman Mersal

Tuesday, 9 June 2015

القريةُ والقارة. طارق إمام


طارق إمام





“يقولون إن مستعمرة من النمل كانت تأكل الجدران والطيور، يقولون إن أجدادهم تنقلوا ثلاث مرات في قرنين، يقولون إنهم ردموا مستنقعا وبنوا بيتا لله أولا وبيوتا للأموات ثانيا ثم أخيرا بيوتا للناجين من لعنة الكائنات الصغيرة”.


هكذا تنطلق إيمان مرسال هذه المرة، بلا مواربة وبدون تحفظ، من الذاكرة الجمعية، (حيث الوهم هو الحقيقة الوحيدة التي يمكن لفم الجماعة الهائل مضغها)، بسبيكتها الخرافاتية، وبتصورها غير المعقول عن العالم، حتى أنك تخمن أن خيط الحكاية المقموعة تحت جِلد الشعر لو امتد، فربما انفتحت أمامك “ماكوندو” جديدة.

هذه المرة، لا يذهب الماضي ليعري نفسه أمام الذات في أرض جديدة، مثلما فعلت القصيدة التي افتتحت بها مرسال مجموعتها السابقة مباشرة “جغرافيا بديلة”، (حيث تذهب مومياء لتعرض نفسها في الهجرة)، بل تذهب الذات لماضيها، طوعا، لتتأمل نجاتها التي لا تُصدق.


في “حتى أتخلى عن فكرة البيوت”، تؤسس الذات الشاعرة نصا “كتابيا” بامتياز، عبر جسر “القول”، ناهضةً بفعلها الفردي من داخل مؤسسة الشفاهة الجمعية.

هكذا ستستجيب الذات، في قصيدة التأسيس “لعنة الكائنات الصغيرة”، لما “قاله الآخرون”. ربما هي المرة الأولى التي تصغي فيها قصيدة مرسال للأسلاف على هذا النحو.. باحثة عن جدل ناعم، وقد أقصى خشونة الرغبة الاستباقية في الإنكار.

قصيدة مرسال، التي التفتت قبل ذلك بالكاد لجيل الآباء، تذهب هذه المرة لخبرة مفارقة للاختبار الحسي، لأسطورة سحيقة تُشكل اليومي (الذي لا يزال يوميا، كونه لم يتحول بعد لماضٍ).

في ذلك الجدل، تبدو الذات الشاعرة ذاهبة لتخليق “وهمها الفردي” على أنقاض “الوهم الموروث”، لتنفتح أمامنا “قرية الأسرار العظيمة” التي “ليس لديها بابٌ ليغلق”.

***

الوهم الفردي، لحسن الحظ، يتوفر على تقنيته: الفوتوغرافيا، ليشتبك مع تقنية تخليد الوهم الجمعي: الحكي.

في الفوتوغرافيا، يحيل الدال مباشرةً للمرجع، إنه تقويض هادئ للحكي، (لضلاله) إن جاز التعبير، حيث يمكن للدوال بالكاد أن تشير بالإصبع لمداليلها.

لكن الفوتوغرافيا، أيضا، تتفق ونزق الشعر في استبعاد السياق، أو إعادة اختراعه إن شئنا الدقة. الفوتوغرافيا، الحاضرة كأداة في “لعنة الكائنات الصغيرة”، لن تلبث أن تتحول إلى أفق.

الذات تُثبِّت ما “تراه”، لكي تكتبه في نهاية المطاف. إنها هنا المفارقة الكبيرة، بين طريقة تعاطي العالم بـ “تسجيله” أو “توثيقه” بغية العثور على طريقة لإعادة إنتاجه بتحريفه حد اختلاقه. أعتقد أنه في هذه المسافة بالذات تنهض شعرية هذه المجموعة، التي أرى فيها انزياحا ملموسا عن تجربة مرسال السابقة.

“عندما امتلكتُ أول كاميرا كنت أعيش بالفعل وحدي في مدينة/ كم حملتها إلى ميت عدلان كعيوني التي لا أرى الوجوه بدونها/ كثيرا ما انتظرت بتأهب صياد أن يتجمع بعضهم على كنبة، أن تجفف صاحبة بيت يديها/ أن يغير أحدهم جلبابا بجلباب أو أن يغلقوا التليفزيون لدقيقة/ أنا اليد الإلهية التي تثبت في الزيارات البعيدة ما لن يمكن استعادته/ لكم تمنيت أن تبدأ حرب أو حريق بينما البطارية ما زالت جديدة/ لأجلس في ذلك الخراب على ركبتي وألتقط صورا لمن تحت الأنقاض/ ثم أريها للناجين في زيارة قادمة/ حتى يفرحوا أنهم نجوا”.

إن هذا بالضبط، وكأن الذات تعري تقنيتها بالكشف عنها وفضحها في مستهل نصها، ما سيصير سمة أسلوبية في هذه المجموعة.

على وجه التقريب، لن تتحقق قصيدة إلا بانعكاس شرطها البصري على عين الكاميرا، (ومن ثم، على صفحة القصيدة). المشهدية الدقيقة تُختبر مرةً بعد أخرى في قدرتها على التقاط الشعري من الوصفي السلوكي. وبشكل ما، فإن من تقع عليهم الكاميرا، يشتركون جميعا في كونهم “ذوات تحت الأنقاض”.

“عين الحاضر” التي تستعيض بها حدقة الذات الشاعرة عن العين الملوثة بالنوستالجيا أو الإيديولوجيا حتى، هي أيضا، ربما، ما يجعل القصائد متوترة بلحظة المضارع كأن القصيدة تكتب الآن. العلامة هنا تحل محل الحاسة: أليست هذه هي الثقافة وهي تعيد قراءة الطبيعة؟

ثمة حضور مشع للتفاصيل المشهدية وولع بتجسيدها تشعر معه أنك أمام مشاهد تم تثبيتها في لقطات فوتوغرافية متتالية لاهثة، ثم النظر إليها تباعا للعثور على وهم الحركة، وهم التململ من ثبوتية الزمن الميت للقطة الثابتة ومن يُتمها في خلودها المُصفى من ملابساتها، (وهم عودة الماضي للانبعاث): “العازفة ما زالت مغمضة العينين، وجهها داكن كخشب البيانو الذي تركوها منذ نصف قرن تضغط على مفاتيحه، ولابد أنها كانت بيضاء كملاك عندما وضعوها هكذا في برواز كلاسيكي على الجدار”. إنها “لقطة” تحترف الذات التقاطها مرة تلو أخرى: “كم قميصك الذي خلعته للتو مطوي تحت فستاني الذي خلعته للتو وأصابعك الأخرى تحفر في سلسلة ظهري الآخر، نظاراتانا كانتا على صينية القهوة”.


لكن تجربة مرسال الجديدة تبدو شغوفة بالسردي أيضا، دون خوف مسبق “على الشعر” من تمدده. تتحرك القصائد بين هذين الحدين، كمن يمشي على الحبل.

أتصور إذن أن “حتى أتخلى عن فكرة البيوت” هو أشد تجارب مرسال اختباراً للسردي والمشهدي معا كمكونات شعرية. أقصد، كعناصر عضوية في الخطاب الشعري وليس كحلي مكملة له أو مستعارة من خارجه. سيتسق ذلك مع التقشف الاستعاري الذي يمكن أن نلمحه هنا (مقارنةً بممر معتم والمشي أطول وقت ممكن مثلا)، وسيمثل خطوة أبعد فيما بدأته مرسال في “جغرافيا بديلة”.

سيتسق ذلك أيضا مع الحضور الواضح للقصائد المصفوفة طباعيا دون التقطيع المألوف للسطور الشعرية وطريقة توزيعها على الصفحة، وهو الشكل الذي يمثل أحد الآفاق الأولية لقارئ الشعر.

***

الشعر “كسؤال” داخل الشعر “كخطاب”، سؤال آخر.

يبدو الشعر هنا طموحاً لإعادة تعريف نفسه، أو التساؤل عن ماهيته نفسها إن جاز التعبير. إنه يذهب، مرةً بعد أخرى لأشكال تعبيرية ذات شروط مفارقة، مجربا نفسه في آفاقها.

في قصيدة مثل “CV” تستعير الذات قالبا اتصاليا مبذولا، لتُحوِّله إلى أفق استعاري مفرغة القالب العملي الغائي من جوهره. إنها كما لو كانت تفكك الأكليشيه بإعادة صياغته كموضوع شعري.

ولو تعاملنا مع قصيدة مثل “إيميل من أسامة الدناصوري” حسب الدلالة الحرفية لعنوانها، فإننا سنجد أنفسنا مبدئيا أمام “نص شخص آخر”، والأدهى أنه ليس بالنص الشعري، يُقدم باعتباره نص إيمان مرسال، وبصفته قصيدة.

ثمة مخاطرة كبرى أخرى بالشعر في هذا النص، فبإجراء “شكلاني” أعاد توزيع السطور على الصفحة، يصير من الجائز تغيير أفق التلقي أو إزاحته من قراءة “إيميل” لقراءة “قصيدة”. الذات في هذه القصيدة لا تتدخل على الإطلاق، أو هكذا توهمنا. إن فعلها الرئيسي هنا هو “القراءة/التلقي وليس الكتابة/الإنتاج. إنه نص شخص آخر، سواء كان ذلك حقيقيا أو حتى كخدعة شعرية تصل بالإيهام إلى أقصى حدوده.

بينما يحاكي نص مثل “مقالة عن ألعاب الطفولة” اللغة الوصفية العارية المجردة، ليتعالق عضويا بالفعل مناخ “النوع المستعار”: “كثيرٌ من ألعاب الطفولة يقوم على فقد حاسة من الحواس الأساسية، فمثلا لعبة الحجلة تتطلب من اللاعب الماهر أن ينط من مربع لآخر بقدم واحدة بينما الأخرى مُعطلة في الهواء، كأنها قُطعت منذ زمن كاف ليتدرب على القفز بدونها”.

يكرر نص مثل “المرشد الأمين للبنات والبنين بعد سن الأربعين” اللعبة نفسها، حيث يتخلق الشعري من هيمنة ظاهرية للأفق “التعليمي” أو “الإرشادي” المجافي للشعر بداهة: “بعد الأربعين يعد الرجل الشعرات المعلقة بالمشط في الصباح وتنزع المرأة الشعرات البيضاء قبل الذهاب للنوم.

وفي اتجاه آخر، يتمثل نص “حكاية المرأة المكتئبة والضيف الجشع” البنية العميقة للأمثولة، وتستعير الذات الشاعرة نفسها موقع الراوي “الأقرب لأدبيات الشفاهة، والذي يتحدث مباشرة إلى مستمعيه”: “بالطبع أنا لا أحكي لكم ما حدث من أجل نتيجة سخيفة من قبيل أن تتعاطفوا مع المخبولة أو الضيف الجشع”.

كذلك يحاكي نص “هدية ماما في عيد ميلادك السابع” تلك الخطابات المنزلية النمطية المحتشدة بتعليمات “تربوية”: “هذه هي التعليمات:/ 1ـ افرد المفرش على أرض مستوية/ 2ـ ثبت النظارة حول عينيك…”.

أشكال تعبيرية غير شعرية، فضلا عن كون بعضها غير فني بالأساس، تذهب إليها مرسال هنا باجتراء غير محدود، محاولة فيما يبدو التفتيش عن الشعري في أشد الاختبارات رعونة.


***

بيوت لله، ثم بيوت للأموات، وأخيراً بيوت الناجين.. هل تتسق هذه الآفاق الثلاثة لـ”فكرة البيت”، مع الآفاق الثلاثة التي توزعت عليها القصائد؟

بين المسجد والمقبرة، كعلامتين مكانيتين متصلتين بالميتافيزيقا، لن تكون بيوت الناجين (المتصلة فقط بالبعد الأرضي، دون سماء من أي نوع) أكثر من أماكن عابرة، تتواطأ الذوات عبرها لبعض الوقت.

ثمة “مؤمنون” كثر تجسدهم ذوات هذه المجموعة، وثمة أموات كذلك. من يقين القومي العربي بأن “الأمة تحترق” ليقين الموظفة العابرة لزميلها في العمل بأنه “عندما تخبرك امرأة بأنها سكرت قليلا فهذا إنذارٌ بأنها قابلة للسقوط في أية لحظة”.

الأموات أيضاً ينبعثون، من كائنات ميت عدلان الصغيرة” المموهة وغير المسماة، لأسامة الديناصوري، الحاضر باسمه و”كتابته”، وصولا للطائر الصغير الذي ستصنع الذات مقبرته بنفسها: “أنا التي تركت بلدا في مكان ما لأتمشى في هذه الغابة أحمل جثة لم ينتبه لغيابها السرب،/ عائدة إلى البيت في جنازة كان يجب أن تكون مهيبة لولا هذا الحذاء الرياضي”. إن هذه السطور من قصيدة “مقبرة سأحفرها”، بعنوانها الدال، تلخص مجاز الموت الكبير في هذه المجموعة، حيث يقترن حفر المقبرة بالعودة للبيت، وحيث الهروب من الموت من أقصى العالم إلى أقصاه، لمواجهته حيث ظنت الذات أنها لن تفعل.

لكن بيوت الناجين، في حسيتها ونقضها للميتافيزيقي، لن تعني الحياة المكتملة. إنها بيوت تنتظر لحظة المغادرة بأكثر مما تتوخى البقاء أو الإقامة. وحيث المجاز الكبير للبيت: “جدار تتسع شروخه حتى تظنها يوما بديلا للأبواب”.

إن الناجين، في القصيدة الأخيرة، “من النافذة”، يمكن أن يكونوا بقايا متصلة بالحياة فقط بفعل التنفس: “من الممكن أن تميز الشخص الذي تحطم من قبل/ الشخص الذي بعد أن تحطم نجحوا في تثبيت ظهره أو ربط عنقه بالكتفين/…./ الأمر سيكون أسهل مع شخص تبعثر من قبل/ الشخص الذي تبعثر من قبل عادةً ما يتلفت حوله، كأنه يبحث عن جزء ما زال ضائعا منه/ وقد يبدو في التفاتته حلوا جدا لأنهم ألصقوه بالصمغ”.

الناجون، وفق هذه الرؤية، “ لاشيء يميزهم في الحقيقة” أو “ربما كل منهم لا يشبه إلا نفسه”.

ثمة بيوت إذن ملتبسة بالمجاز، كشرط لتحققها في الثقافة (المسجد/ المقبرة)، وأخرى عارية تماما إلا من وظيفتها الاستعمالية (البار/ الطائرة/ البيوت المؤقتة). بين هذين الحدين يستعير الشعر نفسه صورته هنا، وهو يقشر المجاز عن الدلالة الجاهزة تارة، لينزعه بقسوة، أو وهو بالمقابل يعيره للدال المفتقر إليه. من هذه الزاوية، أمكنني أن أتلقى التفاوت الحاد الذي تعكسه القصائد في اختبارها للشعري، والذي قد تجسده عناوينها نفسها.. فثمة هوة مخيفة بين عناوين مثل” اسمك أمامي ولا ورد في يدي”، “كأن العالم ينقصه شباك أزرق”، “مثل القصيدة التي كنت أكتبها في الحلم”، “كتاب الرغبة”، وأخرى من نوعية “إيميل من أسامة الدناصوري”، “سي في”، وثالثة من قبيل “حكاية المرأة المكتئبة والضيف الجشع”، “هدية ماما في عيد ميلادك السابع”، و”المرشد الأمين للبنات والبنين بعد سن الأربعين”.

الحركات الثلاثة التي توزعت عليها القصائد تطرح أيضا رحلة معرفية من الزحام إلى الوحدة، تبدأ من القطيع لتنتهي إلى الفرد.

إنها استعارة أخرى كبيرة لعلاقة الذات بالبيت، من الشراكة الإجبارية مع “الآخرين” تبعا لرابطة الدم “الجاهزة” إلى العزلة كاختيار، وإلى الروابط المشروطة بطبيعة ذلك الاختيار.. وحيث يخص البيت في النهاية الشخص وحده: رحلة من البيت الذي يؤثثك للبيت الذي تؤثثه.

يغص القسم الأول بذوات عابرة تحتل بطولة القصائد، كممثلين ثانويين تترك لهم الذات فرصة أخيرة للبطولة، من جثة المراهق الذي عاد من الجيش جثة، لرفيق الطائرة العابر، للموظفة الشبحية، وصولا للرجل الذي “قرر أن يفسر الحب لي”.

بدت لي الذات الشاعرة في هذا القسم متلقيا. تتنصت أوتتلصص أو تراقب، لتخرج النصوص بذوات خادشة على الدوام لحضورها.

القسم الثاني سيتخفف تماما من الذوات العابرة أو الطارئة، ليصفو في أغلبه لتنويعات على علاقة مهيمنة وملتبسة بين شخصين. إنها نصوص الوهم المتقن حد أنه يتحول لصورة من الواقع، حيث تستيقظ الذات من النوم، بوجدان عائد للحياة: “ربما تكون تلك القهوة السوداء هي جرس الصباح، هكذا يستلم الواحد جائزة العودة سالما من النوم”. إنها بدايةٌ للعالم، “حيث تلمس قدمان الواقع”، الذي ينتهي في هذا القسم بتساؤل جديد عن النجاة: “هل هذه هي النجاة؟ هل النجاة أن تكون في صحراء كهذه وتحت قدميك جوهرة لم تكن تعرف أنك تبحث عنها؟”. بين “جرس الصباح” و”النجاة” ثمة متتالية متراوحة بين حلم اليقظة والواقع، الحلم والصحو.

في القسم الثالث، “الحياة في شوارعها الجانبية”، نحن أمام البطولة المطلقة للذات الشاعرة، أخيرا، وحيث ترقد جميع الذوات الأخرى في الخلفية. “الأفكار” هنا أشد نصوعا كموضوعات للقصائد، من فكرة “الشر” لفكرة “البيت” لفكرة الحياة نفسها.


إنها في الأخير، الهوة بين “القرية” الصغيرة و”القارة” الشاسعة، اللتين تجسرهما القصائد، قالبة حتى أدبيات الوعي المكاني بـ “هنا” و”هناك”، وبحيث لا نعود نعرف، أي المكانين هو الأقرب.

“حتى أتخلى عن فكرة البيوت”: إنه طموح الذات الشاعرة في نهاية المطاف. يمكن لـ”حتى” المراوغة هذه أن تحيل لأفق دلالي باعتبارها “لكي”، وأن تذهب لآخر باعتبارها “إلى أن”.

أنت لن تستطيع أن تمنع نفسك في الحالتين من التساؤل: هل حضرت “ميت عدلان” أخيراً هنا، لتعود إليها الذات، أم، في واقع الأمر، لتتمكن أخيراً من مغادرتها؟

لن تظهر “ميت عدلان” مرة أخرى رغم حضورها المتوهج الواعد على رأس النص. لماذا؟.. لأن الذات، عندما دونتها، منحتها في حقيقة الأمر بابا ليُغلق.


نُشرت هذه الدراسة في "مشارف"، سلطنة عُمان، أكتوبر ٢٠١٣.




http://omandaily.om/?p=37415

Saturday, 30 May 2015

The Curse of Small Creatures


The men didn’t ask God for anything, not openly, except for health and His protection. But God wasn’t fooled, not in the midseventies. He kept an eye on their hopes, which stirred as they sipped their tea.
He watched the men leaving their homes, hands tucked behind their backs, clutching the hopes that were never spoken aloud, not even during evening prayer: let brick walls replace the earthen walls, let there be electricity instead of gas, may the first color TV be no less than twenty inches.
They may not have meant to deceive God, but He was not pleased.
When one built an addition, it smelled like burning gasoline—like rooms made for nightmares, with no angels climbing down the ladders, with a roof always under construction. One of them went to Iraq, where he died in a war others watched in full color.
Then one day the electricity arrived, just as they had hoped, and those who remained in the village strung up lanterns to guide the mourners to the place of mourning.
Iman Mersal

Translated from Arabic by Robyn Creswell
The whole poem can be seen in Paris Review, Summer 2015
Iman Mersal

Sunday, 3 May 2015

حلمي سالم، "معرفتي فيك"، رسالة في مايو ٢٠١٢



"معرفتي فيك ما كانت طبيعيّة"؛ ولكن ربما لم تكن هناك طريقة في سياق القاهرة، في التسعينيات، في الصداقة التي وصلنا إليها من شارعين مختلفين لأن تكون طبيعية. أتخيلك يا حلمي وكأن يدك كانت ممدودة بسلامٍ لشخص لا يعرف كيف يُسلّم. أنه كان على هذا الشخص أن يقول إن السلام باليد تقليد سخيف ثم في يوم آخر يعترف بأنه غاضب ولا يريد سلاماً مع أحد، ثم في لحظة صدق سيمسك بأطراف أصابعك ولا يعرف ماذا يفعل بها.. وربما في يوم آخر سيمد يده لك متصوراً أنها مبادرته الشخصية.. في كل خطوة يبحث ذلك الشخص عن الكلمات ليعبر عن نفسه .. ويجدها.. لأنك كنت دائماً هناك لتسمعه.. بدون يدك الممدودة في اتجاهه لم يكن ليحدث كلام ولا إشارات ولا تردد ولا إنصات.. أنا مدينة في صداقتي بك ليدك الممدودة ولطموحك الدائم بسلامٍ يجمعنا.


ليس لديّ رغبة أن أخبرك كم أنا مدينة لقصائدك أيضاً، ربما أن ذلك مزاج آخر.. مع ذلك عندما غادرت مصر في 1998 وكأنني لن أعود أبداً ... كان عليّ أن أختار من مكتبتي ما لا يزيد عن حقيبة واحدة؛ ظللت أستبعد ما يمكن الاستغناء عنه، ثم ما يمكن تخيّل الحياة بدونه .. ولكن قصائدك كانت مما لم يمر بلعبة الاستبعاد هذه للحظة. ذلك أن قصيدتك تستحق أن يُعاد قراءتها في لحظات مختلفة، ذلك أنها عتبة في وعيي بالشعر والأكثر من ذلك أنها من القصائد التي تشعر فجأة بالحاجة إليها.


لقد عاشت صداقتنا بالحكايات والضحك كما عاشت بالقصائد.. أنت كنت مولعاً برحلة الأب، بالبرتقال والشاحنات، وبالطبقة التي ظلت تنكمش حتى أصبحت لا تُرى.. أتعجب الآن من متعتنا في تتبع تاريخ العائلة... كأننا كنا نتبادل الأحزان والفضائح التي تُخجلنا والرغبات التي نتفاداها، والمصائر التي لا نفهمها..كنا نتبادل ذاكرتنا كعربون صداقة. أنا كنتُ هاربة من حنان الأب وطموحه وعندما واجه أبي الموت ونجا منه لم أكن أعرف كيف أصبح ابنة صالحة لأبٍ عائد لتوه إلى الحياة.. لكنك في ليلة أخذتنا إلى دار الأوبرا، وأذكر أني جلستُ بينكما، بين رجُلين طَرِبيْن  يهمسان مع وديع الصافي "دار يا دار يا دار"، بينما أنا أفكر في الطريقة التي أنتمي بها لكل منهما.

حلمي، ما زال يدهشني أنك ربما تكون الشخص الوحيد في العصر الحديث الذي كان يعشق الملوخية مع "القشطة" في طفولته.. ملوخية وقشطة.. معاً.. في نفس الطبق ..وبنفس الملعقة.. ولكنك والحمد لله لم تكتب عن ذلك.  

 صداقتنا لم توجد بسبب غرامنا بالكتابة، الغريب في الحقيقة أنها تحققت رغم غرامنا بالكتابة!
 لقد خرّبت الكتابة صداقات كثيرة في حياتنا..أنت تعرف ذلك.  أعتقد أن حنانك هو ما أسرني فيك قبل الكتابة وبعدها... مرة في غرفة أدب ونقد، كنت تجلس أمام ملفات وتصحيحات .. مادة ما لم تصل، وعامل التليفون لا يرد ومقالة ما لم تُكتب على الكمبيوتر في طابق آخر بينما المقالة التي كُتبت والحمد لله مليئة بالأخطاء.. في وسط هذا التوتّر دخل رجلٌ منهك وعرقان .. وجلس ببساطة يشرب القهوة ويقرأ لك قصائده.. أنت جلست تسمعه وتردد "الله"، "يا سلام"، "أيوة" تماماً عند القوافي التي يتوقع إطراءً فيها.. كان مشهداً عبثياً بالنسبة لي وكنت على وشك أن أصنف جيل السبعينيات كله بـ "ليس راديكالياً" ..(ألم يكن ذلك زمن التصنيفات؟).  أنا تذكرت ذلك منذ سنوات وفكرتُ فيك؛ لابد أنك كنت تعرف يومها أن ذلك الرجل صحا في مدينته البعيدة من نومه مبكراً وأخذ البيجو إلى القاهرة ونزل في الجيزة وركب أتوبيساً إلى التحرير ثم مشى في الحرّ إلى عبد الخالق ثروت وطلع على قدميه إلى الدور السادس وهو يحمل قصائده. أظن الآن أن هذه هي الراديكالية يا حلمي، أن نستطيع حقاً أن نتخيل مكان الآخر ونفهمه ونحترمه كما هو.  هذا ما يجعلني ممتنة لحنانك، حنانك ليس تجاه أصدقائك ولا من تحبهم فقط، بل تجاه العالم نفسه، أنت من كتبت يوماً "أن الناس مظلومون على كل حال". 


عندما وصلتني أخبار رئتك تمنيت أن أكون في القاهرة، وأن آخذك إلى الفحوصات في هذا المبنى الكئيب على النيل.. أن نقابل طبيباً شاباً ووسيماً واثقاً من نفسه، وأن يؤكد لنا في الظهيرة أن كل شيء على ما يرام، أنك بخير.. فنخرج إلى النيل وأعزمك على حمص الشام.. ثم أغني ما يأتي على بالي لمحمد عبد المطلب ... ذلك الخيال ليس في الحقيقة إلا تكرارا حرفيّا لما فعلته معي في أحد أيام 1995 بعد أسابيع من الانتظار والرعب.


لقد حكيت كثيراً عن الماضي، مع أنني فقط كنت أريد أن أردد مع أحمد يماني "ستنجو يا حلمي"، لنمشي بصداقتنا خطوات أخرى..   الصداقة لا تحدث في الماضي والحاضر فقط.. إنها تحدث أيضاً في المستقبل.

إيمان، ٦ مايو ٢٠١٢

قرأت الشاعرة غادة نبيل هذه الرسالة مني في احتفاليّة بالشاعر حلمي سالم أثناء مرضه الأخير.
 الأحد 6  مايو ٢٠١٢ بنقابة الصحفيين ضمن شهادات عدّة لشعراء مصريين وعرب. 

Tuesday, 3 March 2015

تربية الطيور الروميّة




لم يكن في بيت جدّي كتب ولا مكتبة؛ فقط المصحف الشريف فوق خزانة الأطباق والفناجين في غرفة الجلوس. كانت الخزانة عالية، وبجانب المصحف صورة رجل مركونة في إطارها على نفس الحائط ظننتها لقريب مات، إلى أن أدركت أن الرجل اسمه جمال عبد الناصر وأنه كان رئيساً لمصر.
حدث أن قرر جدّي طلاء جدران الغرفة. بدأت فوضى توزيع أثاثها على الغرف الأخرى. ظهر كتابٌ ربما كان مخفيّاً خلف القرآن أو تحته. بدا للوهلة الأولى مقدّساً أيضاً، لولا أن هناك رسومات لطيور روميّة بأنواعها المختلفة وبيوتها وحقولها. لم يكن باستطاعتي قراءته بسهولة بعد، ولكني أخذته لنفسي ولم يفتقده أحد.

عنوان الكتاب “تربية الطيور الروميّة”. اسم المؤلف، عبد المحسن عبد الغني صبّاح وتحته “دبلوم عال في تربية الدواجن من لندن”. الكتاب الذي تمّت طباعته في مطبعة ملجأ الأيتام بشبين الكوم في ١٩٤٠، مكوّن من ١٢٧ صفحة من الحجم المتوسط، وغلافه الذي يبدو ترابيّاً قد يكون في الأصل بين الأصفرَ والبنيّ. في آخر الكتاب صفحة تصويب لبعض الأخطاء الطباعيّة التي تدلّ على العناية الفائقة باللغة، فبعضها تصحيح لوضع همزة أو إضافة لواو عطف سقطت من بين جملتين.
احتوى بيت جدّي إذن على كتابين فقط، تجاورا في أعلى الخزانة لسنوات. أحدهما مقدّس والآخر دنيويّ، أحدهما روحيّ ومركزيّ، والآخر علميّ ومُهمَل. وجود القرآن في البيت بركة، أما كتاب عمليّ عن كيف تربي الطيور الروميّة فلابد أن وراءه حكاية. هل أعطى المؤلف نفسه الكتاب هدية لجدي على أمل أن فلاحاً مصريّاً سيُنشىء مشروعاً انتاجيّاً يعود عليه “بالخير الوفير” كما يقول في مقدّمته القصيرة؟ إذا كان ذلك ما حدث، فلابد أن المؤلف شعر بسعادة وهو يرى جهده يصل لمن يحتاجه. كأن رسالته كمؤلف لا تنتهي بتأليف الكتاب بل بتوصيله ليد مَن ألفه من أجلهم. لقد كتب صبّاح في مقدّمته:
“[…] وكانت التربية في البلاد الأجنبيّة في مقدّمة الصناعات التي درّت على أربابها خيراً وفيراً، لتوخيهم الطرق السليمة، والتجارب القويمة، وكانت عندنا قائمة على الحظ وحده، الذي إذا صادف مرة فقد يُخطيء مرات؛ رأيت أن أضع هذا الكتاب المتواضع، التي خلَت مكتبتنا العربيّة من أمثاله، رغبة مني في أن أذلّل ما عساه يعترض المربّي في تربية الطيور الروميّة من عقبات، وما قد يخشاه من فشل أو إخفاق”.


لنتخيّل أن صبّاح أفندي العائد من لندن بعد حصوله على دبلوم في تربية الدواجن، والذي وضع كتاباً ينقل فيه ما تعلّمه إلى أبناء وطنه، قابل جدّي بصدفة ما في عزاء أو قطار أو في زيارة للباشا جورجي صاحب الوسيّة التي كانت على أطراف القرية مثلاً. ربما أمام قصر الباشا الذي سيصبح بعد ذلك بيتاً للعفاريت، حيث كان جدّي يمرّ يوميّاً في طريقه إلى أرضه. أنه بعد حديث قصير توسّم في جدّي النباهة والطموح فأخرج الكتاب من حقيبته وناوله إيّاه فأخذه بامتنان وشكره ومضى. ولكن كيف لم يخبر جدّي صبّاح أفندي أنه لم يتعلّم القراءة! هل خجل من هذه الحقيقة؟ هل خشى أن يُحبط حماس وتفاؤل المؤلف الذي يراهن على قيمة ما تعلّمه وكتبه؟ إذا كان ذلك ما حدث، فالكتاب شاهد على خديعة اقترفها جدّي - من كان عليه أن يقوم بدور القاريء - للكاتب. كما يكون الكتاب شاهداً بنفس الدرجة على إخفاقات نقل التربية والصناعات من البلاد الأجنبيّة إلى “مصرنا العزيزة” - كما يسميها المؤلف في مقدّمته.
يمكن تخيّل سيناريو آخر أقل دراميّة؛ مثلاً، تناول أحد المهندسين الزراعيين الغداء في بيت جدي في ظهيرة ما بين صدور الكتاب في١٩٤٠ وبين أوائل السبعينيّات، ونساه على الكنبة. لم تستخدمه جدّتي في إشعال الفرن لأنه قد يكون به اسم الله، فوضعته فوق الخزانة ونسته. مرّ زمنٌ عليه وهو في صحبة القرآن الكريم لدرجة أن لمسة من القداسة أصابته.
أيّاً كانت الحكاية؛ “تربيّة الطيور الروميّة” هو أول كتاب أمتلكه في حياتي قبل أن يكون باستطاعتي قراءته، وهو أول كتاب لم تنته علاقتي به بانتهاء القراءة؛ لم يكن مثل قصص الخلفاء والعظماء التي سنسخر من تبسيطها وكليشيهاتها عندما نكبُر، ولا كالألغاز التي يحلّها المغامرون الخمسة نيابة عنّا. لم يكن حتى يشبه غرابة قصص “دار التقدّم” المترجمة عن الروسية لأطفال الشبيبة العربية، والتي كانت مصدراً اساسيّاً لقراءاتي كطفلة.

يبدو كتاب “تربية الطيور الروميّة” كدليل شامل لكل ما يحتاجه الطامح لتربيتها من معلومات؛ فيبدأ بفصل عن أنواعها، مؤكّداً أن ليس كل طائر صالح للتربية من الأساس، وأن على المربي اختيار مَن يستحق الرعاية. تتوالى الفصول عن كيفيّة العناية بها، تسافدها، الحضانة الصناعية، الطرق الحديثة في التربية، التغذية، ثم بالطبع الأمراض وكيفية الوقاية منها وعلاجها.
هناك كلمات، بل مجالات دلالية كاملة دخلت في علاقتي باللغة عبر هذا الكتاب. كلمات كانت غامضة في القراءات الأولى مثل السُلالة، التهجين، التسافد، الأنقاف، التدجين، الانقراض، سلفات الحديد وسلفات النيكوتين. هناك تعبيرات أيضاً، ظلّت خلّابة مثلما قرأتها في المرة الأولى؛ “مسارح الرومي”؛ الحقول الواسعة التي تتحرك فيها الطيور، حيث ظلت “مسارح” أكثر طرافة - بالنسبة لي - من “ملاعب” في “ملاعب الطفولة”. “التسافد الجيّد والتسافد الضار”، تعبير يحضر إلى ذهني كلما فكرت في الفرق بين الجنس المُلهم والجنس الذي لا جمال فيه. “الدجاجات المرخمات”، أي الراقدات على البيض، تحولت إلى صورة تنط أمامي كلما رأيت امرأة حامل تسند ظهرها وفخذيها مفتوحان قليلاً في وضع استرخاء.



توجد خطوط بالقلم الرصاص تحت سطور وفقرات عدّة. أظن أنني لم أضعها في قراءة واحدة؛ أتخيّل أنه مع كل قراءة كان يتم الانتباه لجملة أو فقرة جديدة كأنها طُبعت للتوّ. سأعتبر هذه الفقرات مُختارات قمت بها في لحظات وأماكن مختلفة، سأورد بعضها هنا، ورغبة في اللعب سأضع لها عناويناً من عندي.






اللمعان
“واللون اللامع القوي (شديد اللمعان) دليل على توفّر القوى الحيوية الموروثة من الأجداد الوحشيّة. فإذا قلَ اللمعان فإن ذلك هو أول دلائل الاضمحلال وإذا زال اللمعان وانعدم كان ذلك دليلاً على انعدام الحيويّة”، ص ١٦.

ما لا يجب تربيته
“والطيور الروميّة البشعة سواء كانت كبيرة أم صغيرة لا تصلح للتربية وكذلك الطيور ذات السيقان والأعناق والرءوس والأفخاذ الطويلة، لذا فليحذر المربي اختيار طيور مشابهة لهذه الطيور”، ص ١٩.

شراهة
“لم يعرف الإنسان حيواناً أكثر شراهة من صغار الرومي، هذه المخلوقات البريئة تأكل حتى تموت من كثرة الأكل”، ص٨٢.

الصرع
“ذكور الرومي أكثر تعرّضاً للإصابة بهذا المرض من إناثه، وغالباً تُصاب أثناء موسم التربية. وخسارة الذكور في هذا الوقت لا تكاد تُعوّض”، ص١١٧
“ويظهر المرض على الطيور بعدم اعتدال مشيتها وترنّحها وظهور الكآبة عليها ظهوراً واضحاً”، ص ١١٨.

الطيران
“تُفضل الطيور الروميّة المسارح الواسعة وتجود صحتها إذا تُركت وشأنها في الحقول الواسعة تسرح فيها دون قيد. ويُشترط أن تكون المسارح جافة الأرض لا أثر للرطوبة فيها. والأمطار الغزيرة ضارة بالأمهات المرخمات “الراقدات” على البيض، كما أنها خطرة جداً على الأنقاف الصغار وبخاصة في أيامها الأولى، وقد تنجح التربية في المسارح المحدودة المساحة إذا أُعطيت بعض الحرية في الخروج منها والتجوال في الأراضي المجاورة بشرط ألا تكون المسارح ولا ما يجاورها من أرض قد وطئت بطيور أخرى من أي نوع كان”، ص ٢١.
“عندما يكون المسرح المعدّ لتربية الطيور الرومي ضيّقاً محدوداً، يجب أن يعمل المربي على منع طيوره من الطيران بوسيلة ما. والأنواع المستأنسة تقنع بسور ارتفاعه ٨ أقدام. أما إذا كانت الطيور بريّة فيجب منعها من الطيران والاختلاط بعضها ببعض اختلاطاً قد يفوّت على المربي قصداً من مقاصده الفنية في التربية”، ص ٢٣.
“وإذا ظهرت من الإناث رغبة في الطيران يُربط جناحها. أما جناح الذكر فلا يُربط لأن الربط يتعارض مع السفاد”، ص ٥٤.

تعاليم التسافد
“وأهم أخطاء التسافد التي تحصل عادة في تربية الطيور الروميّة هي:
تسافد الأقارب الأدنين والاستمرار في التربية من أفراد معلومة فيسافد الأب بناته وأخواته، وتسافد الأخت أخوتها وغير ذلك.
الاهمال في اختبار الآباء والأمهات إهمالاً لا يتفق وأصول التربية، وغالباً ما يُترك هذا الاختيار للظروف والحظ.
انتقاء أحسن الطيور صلاحية لأغراض التربية وذبحها أو بيعها للذبح. وقد تحدث كل هذه الأخطاء مجتمعة”، ص ٤٤.
“ومما لا شك فيه أن شراء الذكور لإدخال الدم الجديد في السرب أرخص من شراء الإناث للغرض نفسه، وذلك لأن الذكر الواحد يؤثر في نتاج إناث عديدة. ويظن بعض المربين أنهم يُدخلون دماً جديداً لأسرابهم إذا ما بادلوا جيرانهم ذكوراً وبيضاً للتفريخ، وهذا ظن خاطيء لأن جميع الطيور الروميّة التي تعيش متجاورة يكون قد سافد بعضها بعضاً في الأغلب فتكون دماؤها واحدة أو تكاد”، ص ٤٧.
“وإذا حصل سفاد بين إناث جيدة ممتازة وذكر أقل جودة منها فإن النتاج يكون رديئاً وتضمحل قيمة السرب بسرعة. وبالعكس لو حدث سفاد بين ذكر جيد جداً وإناث أقل جودة منه فإنه يؤثر تأثيراً حسناً في النتاج إلا إذا كانت الإناث رديئة جداً فإن السفاد لا يجدي في التحسين”، ص ٥٠.
“وإذا كانت الأنثى واسعة الظهر يجب أن يُختار ذكرها بحيث يكون واسعاً ما بين الفخذيْن”، ص ٥١.
“لا يجوز الجمع بين أكثر من ذكر واحد مع الإناث في مسرح ما”، ص ٥٨.
“قاعدة: مسافدة واحدة كافية لتخصيب البيض الذي تضعه الأنثى حتى ترخم. وتبعاً لهذه القاعدة يكون وجود الذكر مع الإناث أثناء فترة وضع البيض لا فائدة منه. بل قد يعود بالضرر”، ص ٥٨.

أمومة
“وأحسن الأوقات وأنسبها لخروج الأمهات وترك أفراخها هو الوقت المحصور بين الظهيرة والغروب. وإذا غرُبت الشمس ولم تعد الأم إلى أفراخها فيُبحث عنها وتُساق لتبيت معهم وتوليهم عطفاً وحناناً ودفئاً في الليل فلا يتعرّضون للبرد”، ص ٣٥.

الأنثى القلقة
“فقد تترك الأنثى القلقة عشها لسبب ما، كموتها أو إصابتها بالطفيليّات المزعجة، فيؤخذ البيض ويُوزّع على إناث الرومي أو الدجاج الراقد أو يوضع في آلات التفريخ”، ص ٦١.

التدجين.
“لكي يتمكّن المربي من العناية بطيوره يجب عليه أن يلمّ بالأحوال التي تحيط بها في حالتها الوحشيّة الأولى والتغييرات التي طرأت على هذه الأحوال بسبب اسئناسها. كما أنه من المهم أن يعلم أن الأنواع التي استؤنست لم تتحسن بالاستئناس “التدجين” إذ أن الطيور الروميّة المستأنسة فقدت كثيراً من المزايا التي كانت لها في حالة التوحّش شيئاً فشيئاً”، ص ٤٢ و٤٣.

البيت
“لتدريب الطيور الروميّة على العودة لبيوتها أو مجاثمها ليلاً، يضع المربي وجبتيّ طعام الصباح والمساء بجوار المكان المُراد تدريبهم على البيات فيه”، ص٣٦.
“قد يكون بيت الحضانة أصلاً لكثير من البلاء”، ص٧٦.
“والطيور التي تنشأ في محابس من هذا النوع تكون أكثر قناعة من التي تنشأ حرة طليقة من كل محبس فلا تعاكس ولا تشاكس ويزيد وزنها تبعاً لتغذيتها. وقد تضيق محابسها شيئاً فشيئاً حتى يُكتفى بالبيت ما دامت الطيور تُظهر الرضا عن هذه الحياة”، ص١٠٦.


لم يكن كتاب “تربية الطيور الروميّة” موجهاً لي، أقصد، لم أكن أنا القارىء الذي توقّعه صبّاح أفندي ولذلك ربما ظل هذا الكتاب مُلغزاً و طازجاً وملهماً بالنسبة لي. إنه أقدم كتاب أتوجّس منه وأحتفظ به في حياتي؛ معي منذ أكثر من أربعين عاماً؛ من بيت جدي إلى بيت أبي ومن القرية للمنصورة ثم شقق عديدة في القاهرة، كما أنه سافر معي ضمن كتب قليلة إلى قارة أخرى. أظن أنني أستطيع أن أؤرخ لحياتي بأين كنت أضعه كل مرة يصل معي سالماً إلى بيت جديد.

عندما تقرأ كتاباً لست أنت المقصود به وأنت طفل، يصبح الكتاب وكأنه رسالة لم تصل لصاحبها ووقعت في يدك بالصدفة. إنها لا تخصّك ولكن كأن القدر استأمنك عليها. تظل الأسماء والأحداث التي تحتويها الرسالة مُستغلقة كرموز أمامك. قد تترك الرسالة في صندوق أو تنساها في دُرج مكتب ثم تطلع لك بدون توقّع وأنت تبحث عن شيء آخر. تقرأها فترى فيها تاريخ قراءاتك السابقة لها. لم يعد مهمّاً أن تفهم رموز الرسالة. كل جملة مهما كانت عاديّة تتحوّل إلى أمثولة أو حكمة لأنك قادر بسبب علاقتك المتقطّعة لكن الطويلة بها على إخراجها من سياقها، على امتلاكها والتحرّك بها في سياقك الخاص، طبقاً لمزاجك لحظة الاستعادة. لم يعُد الكتاب كتاباً إذن، بل تميمة.






نُشرت هذه المقالة في دورية "عالم الكتاب" في إصدارها الجديد؛ عدد يناير ٢٠١٥.
























      
  
    
  

Saturday, 20 December 2014

تشارلز سيميك، "ذبابة في الحساء"، الفصل الثاني والثالث



2- 

عندي صورة لوالدي وهو يلبس بدلة سوداء و يحمل خنزيراً صغيراً تحت إبطه. إنه في مركز الصورة وبجانبه امرأتان جميلتان في فساتين سهرة قصيرة وضحكة جميلة  في عيونهما السواداء. هو أيضاً يضحك. فم الخنزير مفتوح ولكن لا يبدو أنه يضحك.
إنه حفل رأس السنة. السنة هي 1928 ويبدو أنهم في أحد الملاهى الليليّة. عند منتصف الليل أُطفئت الأنوار وتم الإفراج عن الخنزير. أثناء الهرج والمرج قبض والدي على الخنزير المتألم. أصبح ملكه. بعد تشجيع الناس، أخذ حبلاً من النادل وربط الخنزير برجل الطاولة.
 زار والدي والمرأتان عدداً من الأماكن الأخرى في تلك الليلة. وذهب معهم الخنزير وهو مربوط بالحبل. لقد أجبروه على شرب الشمبانيا معهم وعلى لبس قبعة الحفلات. بعد سنوات عديدة سيسميه والدي "الخنزير المسكين".
عند الفجر كان والدي وحده مع الخنزير يشربان في بار متواضع بالقرب من محطة السكة الحديد. في الطاولة بجانبهما كان هناك كاهن سكران يكلّل عروسين. رفع الشوكة والسكين في وضع صليب ليبارك الزوجيْن. بعد ذلك أهداهما والدي الخنزير كهدية لزواجهما. الخنزير المسكين.
لكن هذه ليست نهاية القصة. ففي 1948، عندما كان والدي في طريقه إلى أمريكا ونحن نتضور جوعاً  في بلجراد، اعتدنا أن نقايض ممتلكاتنا بالطعام. بإمكانك أن تحصل على دجاجة مقابل حذاء رجالي بحال جيد. الساعات والفضيات ومزهريّات الكريستال وأطباق الصيني الفخمة تم مقايضتها بلحم ودهن الخنزير والسجق وأشياء من هذا القبيل. في إحدى المرّات، طلب غجريٌّ قبعة والدي الرسمية. لم تكن على مقاسه. مقابل هذه القبعة التي غطت عينيه عندما جرّبها، ناولنا بطة حية.
بعد ذلك بأسابيع جاء أخوه ليرانا. بدا ثريّاً. سنّة أمامية من الذهب، ساعتان، واحدة في كل يد. الآخر، كما يبدو، كان قد انتبه لبذلة سهرة سوداء عندنا. في الواقع كنا نترك هؤلاء الناس يتجولون بين الغرف يقيّمون البضائع. يتصرفون كأنه بيتهم، يفتحون الأدراج، ينظرون في الخزانات. يعرفون أننا لن نعترض. كنّا جوعى.
على أي حال، أحضرت أمي بذلة سهرة 1926. كان باستطاعتنا أن نرى فوراً كيف وقع الرجل في غرامها. عرض علينا في مقابلها أولاً دجاجة ثم دجاجتيْن. لسبب ما أصبحت أمي عنيدة. الأعياد على الأبواب. لقد أرادت خنزيراً رضيعاً. الغجريّ أصبح غاضباً، أو مثّل أنه غاضب. الخنزير أكثر مما ينبغي. لكن أمي لم تستسلم. عندما تركب رأسها فهي تساوم بضراوة. بعد ذلك بسنوات في دوفر نيوهامشر، راقبتها وهي توصل بائع أثاث إلى شفا الجنون. عرض عليها أن تأخذ الكنبة مجاناً فقط ليتخلّص منها.
الغجريّ كان أكثر تشدّداً. غادرنا. بعدها بأيام عاد ليُلقي نظرةً أخرى. وقف يحدّق في البذلة عند أمي كأنه يريد أن يتخلّص منّا في نفس الوقت. نظر ونظرنا. في النهاية، تنفّس الصعداء كرجلٍ يتخذ قراراً صعباً ولا رجعة فيه. حصلنا على الخنزير في اليوم التالي. كان حيّاً ويشبه إلى حد كبير الخنزير في الصورة.


3- 
في البدء ... الراديو. كان على طاولة بجانب سريري. كان له زر تحكّم يُضيء، ثم تظهر أسماء المحطات. ولم يكن باستطاعتي القراءة بعد فكنتُ أسأل الآخرين أن يقرأوها لي. هناك أوسلو، لشبونة، موسكو، برلين، بودابست، مونت كارلو، وغيرها الكثير. تضع السهم الأحمر موازياً للاسم، فتنبثق لغة غريبة وموسيقى غير مألوفة. في العاشرة، تتوقف المحطات عن البث. الحرب مستمرة. هذا العام هو 1943.
لقد أمضيت ليالي طفولتي مع هذا الراديو، إنني أُرجع الأرق الذي صاحبني طوال حياتي لسِحره. لم يكن ممكناً أن أبعد يديّ عنه. حتى بعد أن تتوقف المحطات عن البث. استمرُّ في تحريك زرّ التحكّم وأدرس الضوضاء المختلفة. مرة سمعت صفارات شفرة مورس. فكرت أن هناك جواسيس. أحياناً كنت ألتقط محطة بعيدة خافتة ويكون عليّ أن أضع أذني على خشونة الغطاء التي تغطي مركز الصوت. أحياناً كانت تندلع موسيقى رقص أو تكون اللغة جذابة جداً فأستمع إليها مدة طويلة، وأشعر أنني على وشك أن أفهمها.
كل ذلك كان ممنوعاً منعاً باتاً. كان من المفروض أن أكون نائماً. أفكر في ذلك الآن، ربما كنت خائفاً من الوحدة في تلك الغرفة الكبيرة. الحرب مستمرة. البلاد محتلة. أشياء فظيعة حدثت في الليل. كان هناك حظر تجول. أحدهم كان متأخراً. شخصٌ آخر في الغرفة المجاورة يمشي جيئة وذهاباً. ستائر من الورق الأسود معلقة على الشبابيك. كان شيئاً مرعباً أن تنظر من خلالها إلى الشارع _ الشارع الخالي المظلم.
أتخيل نفسي وأنا أمشي على أطراف أصابعي ويدٌ على الستارة، أريد أن أنظر ولكني خائف من انعكاس الضوء الخافت للراديو على جدار غرفة النوم. والدي متأخر والثلج يغطي السطوح في الخارج.
في 6 إبريل 1941، كان عمري ثلاث سنوات، ضربت قنبلة في الخامسة صباحاً المبنى المقابل من الشارع مما أدى إلى اشتعال النار فيه. بلجراد التي وُلدتُ فيها، لديها فرادة غير مؤكّدة  فقد قصفها النازيون في عام 1941، والحلفاء في عام 1944، والناتو في عام 1999.
عدد القتلي في ذلك اليوم من أبريل _ والذي أطلق عليه الألمان "عملية عقابية" _ يتراوح بين خمسة وسبعة عشر ألفاً، وهو أكبر عدد من القتلى المدنيين في يوم واحد خلال العشرين شهر الأولى من الحرب. كانت المدينة قد تعرضت لأربع مئة قاذفة وأكثر من مئتيّ طائرة مقاتلة في يوم أحد الشعانين عندما تضخم عدد سكان العاصمة بزوارها من الأرياف. أياً كان العدد الحقيقي، فلقد حُكم على المارشال الكسندر لور لهذا القصف المرعب وتم شنقه في 1945. 

أظن أحياناً أنني لا أذكر شيئاً عن ذلك القصف، وأحياناً أجد نفسي على الأرض وهشيم الزجاج حولي. الغرفة ساطعة الإضاءة وأمي تركض نحوي وذراعاها مفرودان على اتساعهما. حكوا لي بعد ذلك أنني طِرت من سريري وعبر الغرفة حيث سقطت، وأن أمي التي كانت تنام في الغرفة المجاورة وجدتني عندها. كلما حاولت أن اسألها أن تفسر لي ماحدث كانت ترفض مكتفية بواحدة من تنهداتها المعتادة ونظراتها الساخطة. ليس غريباً أن هذه الذكرى كانت مؤلمة بالنسبة لها، بالتأكيد كانت كذلك. الذي أغضبها وجعلها لا تجد كلمات تُعبّر بها كان ذلك الغباء المخيف في كل ما حدث. كان والدي يقبل بالقتال من أجل قضية عادلة. هي، في الطرف الآخر، لم تتراجع أبداً عن قناعتها بأن العنف وخصوصاً هذه الدرجة من العنف ليس إلا غباء. والدها نفسه كان عقيداً في الحرب العالمية الأولى، ولكنها لم يكن عندها أوهام. الحرب تقوم على أيدي رجال قُساة بصفوف من الميداليات تغطي صدورهم التي لم تكبر أبداً. إذا ذكرت انتصار الحلفاء لأمي، فستذكرك بعدد الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن من الجانبين. 
عندي ذكرى ضبابية أخرى لنيران ساطعة ثم عتمة تامة وأنا محمول على السلالم في هرولة إلى المخبأ. حدث هذا كثيراً أثناء الحرب العالمية الثانية، لذا ربما حدث ذلك في ظرف آخر. ما أدهشني بعد ذلك بسنوات، بينما أتابع مشاهد فيلم تسجيليّ ألمانيّ عن القصف، أن أرى مشهداً عابراً لشارعي ولعدّة مبانٍ مُدمّرة في الحي. لم أدرك حتى تلك اللحظة كم من القذائف أمطرت فوق رأسي ذلك الصباح.
أناسٌ كثيرون ماتوا في البناية التي تقع في الجهة المقابلة من الشارع، بما فيهم أسرة كان لها صبي في عمري، وبسبب ما، عاد الموضوع لذهني مجدداً بعد ذلك بسنوات. قيل لي مرات ومرات كم كانت أسرة طيبة وكم كان الصبي وسيماً وأن ملامحه كانت تشبه ملامحي بعض الشيء. وجدت ذلك مخيفاً. لكن القصة أُعيد سردها بغُلالة من النسيان كأن لهذا صلة ما بي. ليس عندي فكرة كيف كانت ملامحه، كما ليس عندي فكرة كيف كانت ملامحي في هذا السن الصغير. لكني ظللت أتخيله بوضوح بينما أنا أكبر كأنه كان شريكي في اللعب.

ضرب بلجراد في ١٩٤٤


هل كان العالم حقاً رماديّاً وقتها؟ في ذكرياتي المبكرة كان العالم دائماً في أواخر الخريف. الجنود رماديون، وهكذا كان الناس.
الألمان يقفون في الزاوية. نحن نمرّ بجانبهم. "لا تنظر إليهم"، تهمس أمي. نظرت إليهم على أي حال، وواحد منهم ابتسم. لسبب ما أخافني ذلك.
في ليلة جاء الجستابو لاعتقال والدي. كانوا يفتشون في كل مكان محدثين ضجة كبيرة. كان والدي قد ارتدى ملابسه بالفعل. كان يقول شيئاً، ربما كان ينكّت. تلك كانت طريقته. مهما كان الوضع قاتماً، كان يجد شيئاً مضحكاً ليقوله. بعد سنوات عديدة، محاطاً بالأطباء والممرضات بعد تعرضه لأزمة قلبية خطيرة، أجاب على سؤالهم "كيف تشعر الآن يا سيدي؟" بـ "أن طلب بيتزا وبيرة". ظن الأطباء أنه تعرض لتلف في المخ. كان عليّ أن أشرح لهم أن هذا سلوك طبيعي بالنسبة له.
على الأرجح أنني عدت للنوم بعد أن أخذوا والدي. على كل حال لم يحدث شيءٌ في تلك المرة. أفرجوا عنه. لم يكن ذنبه أن أخاه الأصغر سرق شاحنة من الجيش الألماني ليأخذ صديقته في نزهة. الألمان كانوا مندهشين، تقريباً مذهولين من الجرأة. أرسلوه للعمل في ألمانيا. لقد قاموا بالمحاولة، ولكنه تسلّل من بين أصابعهم.

وفّر لنا زمن الحرب ملاهي للرياضة وزحاليق وبيوتاً خشبية وحصوناً ومتاهات يمكن العثور عليها في ذلك الخراب عبر الشارع. كان هناك جزء قد تبقى من الدرج، كنا نصعد بين الحطام وفجأة تظهر السماء! ولد صغير سقط على رأسه ولم يعُد أبداً لما كان عليه. أمهاتنا حرّمن علينا الاقتراب من الدمار، هدّدننا، حاولن أن يشرحن المخاطر الكثيرة التي تنتظرنا، مع ذلك كنا نذهب. جالسون بسعادة بين أطلال غرفة طعام شخصٍ ما بالدور الثالث، يأتينا من الشارع تحتنا صياح واحدة من أمهاتنا وهي تشير إلينا بينما ابنها يهرول إلى أسفل مجاهداً في تذكر أين كان يضع قدميه أثناء الصعود. 
كنا نلعب جنوداً، استمرت الحرب. نزلت القنابل. ولعبنا جنوداً. أطلقنا النار على بعضنا البعض طوال النهار. طاخ طخ _ طيخ. سقطنا قتلى على الرصيف. ركضنا بين الزحام مقلدين صوت الطائرات المقاتلة وهي تغطس وتقب.
ثم أصبحنا حاملات قذائف. أسقطنا أشياء من الشباك أو البلكونة على الناس في الشارع. الجاذبية الأرضية هي صديقة القنبلة، أتذكر قراءتي مرة في دليل للجيش. القنابل إما تُحمل تحت الجناح أو توضع في مقصورة خاصة داخل الطائرة. بالنسبة لنا، كان علينا فقط أن نفرد أذرعتنا، نزيد من سرعة المواتير، وندور كمروحة هوائية ونحن نحمل جسماً في أيدينا حتى يتم التخلص من حمولتنا. أحد أصدقائي كان عنده نظارات جيش واقية، وكان يسمح لنا باستعمالها أحياناً.  لقد كانت تجعل قصف الشارع تحتنا أكثر واقعية في عيوننا. 
صوت الطيخ _ طاخ يخرج طبيعيّاً من جنس الذكور. من النادر أن تأتي هذه الضوضاء من فتاة بالشكل الصحيح. ألقينا الحصى على العابرين تحتنا، الطوب على القطط والكلاب الضالة، مدّعين أننا نسقط قنابل أمريكية على النازيين. بعد خمسين عاماً ما زلت أذكر المتعة المحرّمة والخبث في القيام بذلك. الآن حيث تتوفّر ألعاب الفيديو يُمكن للواحد أن يتمثّل الناتو قاصفاً يوغسلافيا، الأطفال يناقشون بدراية القنابل مسترشدين بالليزر وكاميرات التليفزيون. أظن أن فكرتنا عن المعنى الحقيقي لقصف بناية كانت أكثر وضوحاً، مع ذلك لم نتوقّف. كُنّا بلا عقل مثلنا مثل جنرالات اليوم وهم يضغطون الأزرار ويتابعون شاشة الكمبيوتر منتظرين بحماس نتيجة ما قاموا به. 

بدأ البريطانيون والأمريكيون قصف بلجراد يوم أحد الفصح، 16 أبريل 1944. الرواية الرسمية الصادرة عن القوات الجوية الأمريكية تتحدث عن قاذفات ثقيلة "تستهدف قصف لوفتواف وأهداف جوية "بـ" حوالي 397 طناً من القنابل". تقول أيضاً: "نسبة إلى أحد التقارير، فإن عمليات 17 أبريل تسببت في بعض الأضرار لمنطقة سكنية تقع شمال غرب بلجراد/ زيمون أرديروم. ويبدو أن معظم الدمار الذي حصل خلال اليومين، كان ذا طبيعة عسكرية". إنها كلمة "يبدو" المُدرجة بحكمة في التقرير، إنها بيت القصيد وجوهر المسألة.

كان ذلك قبل تناول الغذاء، مائدة الطعام كانت قد أعدت بصورة بهيجة بأحسن ماعندنا من صيني وفضيات عندما وصلت الطائرات. كان باستطاعتنا أن نسمع أزيزها حتى قبل أن تنطلق صفارات الانذار. الشبابيك كانت مفتوحة على اتساعها حيث كان اليوم ربيعياً معتدلاً. أتذكر والدي وهو يصيح من البلكونة "الأمريكيون يرمون بيض عيد الفصح". بعدها سمعنا صوت الانفجار الأول. ركضنا نازلين إلى نفس المخبأ حيث اليوم ما زالت بعض شخصياته الأصلية ترتعد. اهتزت البناية. غطى الناس آذانهم. كان باستطاعة المرء أن يسمع صوت تهشّم زجاج في مكان ما فوقه. ولدٌ أكبر مني بقليل كان قد اختفى. اتضح أنه تسلل للخارج ليشاهد القنابل وهي تسقط. عندما أعاده الرجال بدأت أمه تصفعه وتؤنبه بشدة، كانت تصرخ فيه أنها ستقتله إذا خرج مرةً أخرى. كنت مرعوباً من صفعاتها أكثر من رعبي من القنابل.
في لحظة ما انتهى الأمر. خرجنا نجُرّ أقدامنا بتثاقل. المتحمسون للقصف الجوي إما يفتقرون إلى تخيّل حقيقة ما يحدث على الأرض، أو أنهم عطلوا خيالهم. الشارع كان مظلماً مع بعض اللهب هنا وهناك. الغبار والدخان يملآن الجو، بدا وكأن الليل قد حلّ بالفعل. خرج رجلٌ من العتمة وهو مغطى بضمادات تتساقط. حكى لنا أن أحد الأحياء المجاورة قد تم تسويته بالأرض. كان ذلك عاديّاً. الواحد منا كان يسمع أكثر الاشاعات شناعة ومبالغة في مثل هذا الوقت. آلاف القتلى، جثث ملقاة في كل مكان، وهلم جرا. كان الحيّ الذي يتحدث عنه هو أحد أفقر الأحياء في المدينة. لم يكن فيه أهداف عسكرية. لم يكن ذلك مُبرراً حتى لطفل.
في اليوم التالي للغارة الأولى في 1944، جاءت الطائرات مرة أخرى، وبنفس الطريقة "ألقت حوالي 373 طناً من القنابل على بلجراد/ ساحات سافا مارشالنج"، وأضاف التقرير الرسمي أن "هذا الهجوم تسبّب في دمارٍ عظيم في عربات الركاب والبضائع، نيران كثيفة، مخازن مشتعلة، دمار عظيم لمحطة الركاب الرئيسية، دمار مماثل لجسر سكة الحديد على نهر سافا... إلخ. لا يُوجد ما يشير إلى حدوث تفجيرات خارج الأهداف العسكرية خلال هذه العملية". في الحقيقة، لقد سقطت قنبلة على الممشى أمام بنايتنا ولكنها لم تنفجر.
في بعض الليالي كان والدي يرفض النزول إلى المخبأ ويبقى في فراشه، في حين كانت أمي تصيح عليه من الدرج لينزل. هي كانت مع إخلاء المدينة فوراً؛ بينما اعتقد أبي أن العيش في الريف لا يقل خطورة مع الحرب الأهلية التي في طريقها. هكذا ومع غرابة الأهداف العشوائية لحلفائنا فقد كانت مخاطرة أن نبقى ومخاطرة مساوية لها أن نهرب. طوال ربيع وصيف 1944 كنا نرحل إلى الأمام أو إلى الوراء مشياً على الأقدام. أتذكر صفوف اللاجئين على الطريق، الألمان يفحصون الوثائق ويرعبون الجميع أكثر وأكثر. اليوم طبعاً هناك تليفزيون يسجّل وينشر مثل هذه المشاهد التعيسة.

في 1972 قابلت أحد الرجال الذين قصفوني في 1944. كنت قد قمت بأول رحلة لبلجراد بعد عشرين عاماً تقريباً. بمجرد عودتي إلى الولايات المتحدة، ذهبت إلى تجمّع أدبي في سان فرانسيسكو حيث قابلت بالصدفة الشاعر ريتشارد هيوجو في مطعم. تحدّثنا، سألني كيف قضيت الصيف، أخبرته أنني عدت للتو من بلجراد.
قال: "آي نعم، بإمكاني أن أرى هذه المدينة جيداً"
دون أن يعرف خلفيتي، انطلق يرسم على مفرش المائدة، بقطع الخبز وبقع النبيذ، موقع المبنى الرئيسي لمكتب البريد، الكباري على نهريّ الدانوب والسافا، وبعض المعالم الأخرى الهامة. دون أية فكرة عن معنى ذلك، مفترضاً طوال الوقت أنه زار مرة المدينة كسائح، سألته كم من الوقت قضى في بلجراد.
أجابني: "لم أزرها أبداً، أنا فقط قصفتها عدة مرات"
بذهول من المفاجأة، اندفعت قائلاً لقد كنتُ هناك وقتها وأنني أنا من كان يقوم بقصفه. أصبح منزعجاً للغاية. في الحقيقة، كان مهزوزاً بشدة. بعد أن توقف عن الاعتذار وهدأ قليلاً، سارعت أؤكد له أنني لا أحمل شيئاً ضده وسألته ما هو السبب في أنهم لم يقصفوا مقر الجُستابو ولا أي مبنى آخر حيث كان يتواجد الألمان. شرح لي هيوجو أن الغارات الجوية كانت تنطلق من إيطاليا، مستهدفة أولاً حقول النفط الرومانية، التي كانت لها أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة للنازيين حيث كان يتم الدفاع عنها بضراوة. في كل غارة جويّة كانوا يفقدون طائرة أو اثنتين، ومع ذلك كله، في طريق عودتهم لإيطاليا، كان عليهم أن يتخلصوا من حمولاتهم فوق بلجراد. حسنٌ، كانوا في غاية الحذر. يطيرون على ارتفاع عالٍ ويلقون ما تبقى من الحمولات بأي طريقة ممكنة، في استباق ليعودوا إلى إيطاليا، حيث يقضون بقية اليوم على الشاطيء مع بعض الفتيات المحليات.
أكدتُ لهيوجو أن ذلك بالضبط ما كنت سأفعله عن نفسي، لكنه استمر يطلب الغفران ويبرر موقفه. لقد كبر في منطقة قاسية في سياتل، في أسرة فقيرة من الطبقة العاملة. أمه، كانت مراهقة، وكان عليها أن تتخلّى عنه بمجرد  ولادته. كنا لاعبيْن صغيريْن مرتبكيْن في أحداث أكبر من سيطرتنا. هو على الأقل اعترف بمسئوليته عما فعل، هذا ما لا نسمع به في حروب اليوم الخالية من الخطر حيث الموضة هي تحميل مسئولية الأخطاء على التكنولوجيا. هيوجو كان رجلاً يتمتع بالنزاهة، واحداً من أفضل الشعراء في جيله، و، قد يبدو هذا غريباً، لم يخطر ببالي أن ألومه على ما قام به. مع أني كنت على الأرجح سأبصق في وجه ذلك الغبي الذي قرر الموافقة على طلب تيتو بأن يضرب الحلفاء مدينة مليئة هي نفسها بالحلفاء يوم عيد الفصح. مع ذلك، اندهشتُ عندما كتب هيوجو قصيدة عما فعله وأهداها لي. كيف تكون الأمور معقدة إلى هذه الدرجة، كيف لا تكفي محاولاتنا لأن نقف في وجه الريبة غير المعلنة حيث لا شيء في جحيمها يمكن فهمه على الإطلاق.

رسالة إلى سيميك من  بولدر
عزيزي تشارلز: هكذا تقابلنا مرةً في سان فرانسيسكو وأعرفُ 
أنني قصفتك منذ زمن طويل في بلجراد عندما كنتَ في الخامسة.
أتذكّر. كان هدفنا جسرٌ على نهر الدانوب
نأمل أن نُحاصر جيوش الألمان بينما هي تفرّ من اليونان إلى الشمال،
ضيّعنا الهدف. ليس هذا من غير المعتاد، بما أنني كنت واحداً من المهاجمين. 
لم يكن  باستطاعتي أن أضرب مؤخرتي 
حتى إذا جلستُ على جهاز التحكّم أو امطيت قنبلةً ونزلت وأنا
 أغني  النشيد الوطني الأمريكي.
 أتذكّر بلجراد تتفتّح مثل وردة عندما وصلنا. 
لا مدفعيّة مضادة للطائرات. لم أعرف شيئاً عن الشنق اليوميّ، الثمانين 
ألف سُلافي الذين تدلّوا من الحبال الألمانية في المدينة، كعبرة للآخرين.
كان كل همي أن أبقى على وجه الحياة، تلك اللحظة
تخفّفت الطائرة من حمولة القنابل ونحن عُدنا.
أية لغة كنت تتحدث وقتها؟ الصربية، على ما أعتقد. وماذا كان عقلك
يفعل بالعواء الرهيب للقنابل؟ ما هي كلمة "خوف" بالصربية؟
يجب أن تكون هي الكلمة نفسها بالانجليزية، عويل بدائي طويل
لأطفال يموتون، نظرة طفلٌ مُثبتة للأبد في الموت.
أنا لا أعتذر عن الحرب، أو لما كنتُهُ. كنتُ مشوشاً وقتها عن طيب خاطر. 
أظن أنني حتى آمنت بالبطولة (للآخرين، وليس لنفسي)، صدقت في ضرورة
ذلك العالم المُعذَّب، آملاً أنه سيتعلّم ألا يفعل ذلك مرةً 
أخرى. لكني كنت صغيراً. العالم لا يتعلّم أبداً. التاريخ
 لديه طريقة لجعل الماضي مُستساغاً، لجعْل الموتى حُلم.
عزيزي تشارلز، أنا سعيدٌ أنك تفاديت القنابل، أنك
تعيش معنا الآن وتكتب قصائد. لابد لي أن أخبرك مع ذلك،
لقد استغربت ذلك اللقاء في سان فرانسيسكو. ظللت أكرر لنفسي، 
كان على الأرض في ذلك اليوم، صفار السماء المخيف
ومحرّكاتنا تزأر بكل شيء في طريقنا.
في لحظات كهذه يصبح العالم صافياً للناجين.
العالم يصبح صافياً كسحاب الصيف، كالبياض النقي المنفوخ،
طيورٌ ناعمة تمرق وتدخل وتخرج،
حياتنا لديها فرصة لأن تنجرف ببطء فوق العالم،
مخازن القنابل فارغة، الهدف منسيّ، العدوّ يتم تجاهله.
لطيف أن أقابلك أخيراً بعد الكراهية بدون سبب. المرة القادمة،
 إذا أردت أن تتأكد من نجاتك، اجلس على الجسر الذي
أحاول ضربه ولوّح لي. أنا قادم على الطريق الصحيح لكني
قلقٌ وعدسة مسدسي ترفرف.
أمن أنتَ، أينما كنتَ على الأرض. أما أنا فأصوّب ناحية الهدف
ولكن قنابلي من الحلوى وقد تُهتُ عن الطائرة التي ترشدني.
                                             صديقك دِك. 







Thursday, 3 July 2014

Love الغرام


الغرام


 
 
بعد سنواتِ تأملهِ من الشُّباك
ووضْعِهِ أحياناً مع الحبوبِ المهدئةِ في حقيبةِ الظهرِ
فجأةً ينفجرُ الغرامُ من حيث لا تتوقع
الأمرُ لا يخلو من نوايا أدبيّة
مثلُ كَشْطِ الصدأ عن كلمة "غرام" نفسها
وغسْل كلماتٍ مثلِ "هَجْر"، "وصال"، "ضَنا"
 من اللعاب الذي بلّلها أثناء الغناء.

 
إذا كنتَ شاعراً عربياً فلابد أنك كتبت عنه من قبل
ذلك أنك لا بدّ تُهت في صحراء الهوى سنوات
تبحثِ عن الحيوان الخرافيّ الذي يحتلُّ عينَ الماءِ الوحيدة
فتقتله
ثم تبكي جريمتك الحتمية من أجل شربة ماء
وحتى بعد دخولك إلى أمان العائلة
تظلّ شاعراً
الغرامُ سيئُ السمعة
الغرامُ أسوأُ موضوعٍ للكتابة ولا شك.



 
أبحثُ عن ملهمةٍ في كل قصيدة أقرؤها
يعلّقُ الشاعرُ مُلهمتَهُ على الحائط ويثبِّت أطرافَها بالمسامير
الصورةُ موضوعُ الاستيهام، تبدأ من عينيّ الضحيّة
وتنتهي حسب درجة القربِ  من الحداثة - بين فخذيها -
 أوعلى أحسن تقدير بالوعي بأنها ضحيّة.
لعبتُ هذا الدور في أوقات الفراغ
ولحسن الحظ لم أقابل شاعراً عظيماً قط
وخرجتُ من التجارب بكراهية المُلهمات.


 
جسرٌ من الشيفون
وعليكَ أن تعبرَ فوقه إلى الشاطئ الآخر
بالطبع ليس ذلك برّ الأمان،
أنتَ لن تصلَ إلى هناك كما أنت
لأنك للتوّ ستسقطَ في الماء الآسن
أكثر من يدٍ ستمتدّ لانتشالك ؛ لأصدقاءَ يظنون أنهم مجربون
وشعراءَ مهمتُهم تأمل السقوط وطبيبٍ نفسيٍّ يسلّي أرقَهُ
وليس من بينها يدُ الله فلا تحزن
ستخرجُ فجأة أصابع من إعلانات التجميل
لتمنَحك جلداً مصقولاً
وبعدها لن تخشى السقوط ثانية.


 
ينجح الغرامُ في جعْلنا أصلاءَ وأنانيين،
أنانيين بأصالةٍ وأصلاءَ في أنانيّتنا... الخ
ولا شيءَ يكفي
حتى ليبدو ذلك الذي قال أن القناعةَ كنزٌ لا يفْنى
وكأنّه ثبَّت الحواسَ في درجة الصفر
ماشياً صوب الصحراءِ
وهو يصفِّر بـلحنٍٍ يشبه: " أنا أنت وأنت أنا"




LOVE

After watching for it for years from the window
and tucking it with anti-depressants in a backpack,
love suddenly explodes where no one expects.
The situation does not lack literary intentions
like scraping rust off the word “love”
and washing words like “abandonment,” “connection” and “weariness”
from all the saliva that soaks them when they are sung.


If you are an Arab poet, you must have written about that topic.
You were probably lost for years in the desert of infatuation
seeking the mythological animal who occupies the only spring
so that you can kill it.
Then you weep regretting your preordained crime done only for a drink of
        water,
and even after you safely return to the family fold
you remain a poet.

Love has a bad reputation.
Love is the worst topic there is, no doubt.


I look for a muse in every poem I read.
The poet hangs his muse on the wall and straightens out her limbs with pins.
The image, which is the subject of inspiration, begins with the eyes of the victim
              and ends according
to one’s proximity to Modernism—between her legs—
or at best, with a recognition of her victimization.
I played this role in my spare time,
and I was lucky that I never met a great poet.
I left those experiments with contempt for the muses.


A bridge of chiffon
and you must cross it to the other shore.
Of course this is not “a safe harbor.”
You will not be the same person when you reach it
because immediately you will fall into the brackish water.
More than one hand will try to snatch you, hands of friends who consider
          themselves experienced,
poets whose function is to witness the fall, and a psychologist wiling away his
          insomnia.
None of them will be the hand of God, so no need to worry.
Fingers from beauty-product commercials will reach for you
to offer you exfoliated skin,
and you will never fear to fall again.


Love succeeds in making us authentic and selfish,
authentically selfish and authentic in our selfishness … etc.
Nothing from then on will suffice
as if the one who had said “contentment is an endless treasure”
had affixed the senses at degree zero
and walked towards the desert
whistling a tune resembling “I am you, and you are I.”


"Love" was published in 2006 Alternative Geography by Dar Sahrqyaat, Cairo.
In 2008 English translation by Khaled Mattawa, These Are Not Oranges, My Love. Sheep Meadow Press, New York.
The poem is chosen among the 50 Greatest Modern Love Poems List over last 50 years by poetry specialists at the Southbank Centre, London.
http://www.theguardian.com/books/2014/jul/02/fifty-greatest-love-poems-30-different-countries?CMP=twt_gu


 


Tuesday, 8 April 2014

الصوت في غيْر مكانِه




لنفرض أن الصوت هو خيط من الضوء يمتد بين فم المتكلم وأذن من يسمعه، بين النية وما تؤول إليه من تأويل في ذهن متلقيها. وأن اللكنة ذبذبات ملونة تتواتر حول هذا الخيط ولا تتطابق معه، أنها قد تساعد في تدعيم ضوء الخيط أحياناً كأنها رسالة إضافية لنيته، وأنها قد تقطعه وتعطله أحياناً أخرى. كلمة واحدة تسقط من جملة ملضومة في حبل مضيء كافية لأن يتوتر الخيط ويهتز، تتسع عينا صاحب الأذن وتنشط حاسة البصر لالتقاط الكلمة التي تسقط بفعل اللكنة  قبل أن تصل إلى الأرض. قد تتسع عينا المتكلم أيضاً، قد تحضر أعضاؤه كلها بلغاتها لتساعد في توصيل نيته رغم انقطاعاتها إلى الأذن التي تنتظرها. أظن أنني أفكر بالصوت الفردي هنا لا كمنتج فيزيقي للحبال الصوتية التي يحملها الهواء، ولا كحامل لنية اللغة وهدفها ولا كنقيض للموت، بل كطاقة تولّدها اللكنة لكي تحمل الصوت الفردي واللغة التي ينطقها والنية التي يقصدها. 

طاقة اللكنة تتبع وقتاً / إيقاعاً آخر يخص اللغة الأم، وعندما يحملها الصوت في لغة أجنبية يولد التشوش الذي أتخيله وكأنه محاولة نطق لغتين في نفس اللحظة، واحدة ظاهرة والأخرى مختفية، واحدة تتحرك والأخرى مركونة تحارب ضد الاهمال والترك.  اللكنة ليست أحد أمراض النطق بالضرورة بل هي دفاع اللغة الأم المستميت ضد الفناء؛ منافسة اللغة الأجنبية عبر تخريب العلاقة بين الصوت وإيقاعه، فيُبتر مقطع هنا أو هناك، يتسارع حرف غريب حيث كان يجب أن يتباطأ، يقفز صوت على رأس صوت آخر ويقضم جزءاً من فضائه. التخريب قد يأتي أيضاً من كرم اللغة الأم في التعامل مع الوقت، فتضيف حركاتها لسواكن لغة الأجنبية، فيصبح  street Estreet و cloth clothES .
إذا تخيلنا أن صاحب اللكنة وهو يتلفظها هو فرد في غير مكانه  فلنتخيل معاً أن اللكنة هي صوتٌ في غير مكانه. قد يتدرب صاحب اللكنة على أن ينتمي لمكانه الجديد، قد ينجح في تخبئة لكنته أوفي قمعها طويلاً، ثم تأتي تلك اللحظة التي يخونه فيها التدريب. ليست مصادفة أن لحظات الغضب هي أكثر اللحظات التي تقب فيها اللكنة بكامل بهائها، ربما لأن الغضب ألصق باستنفار الأحبال الصوتية من الرضا، أكثر تهييجاً للذاكرة واستحضاراً للغة الأولى التي تنتقم بممارسة صوتياتها وبإشاعة الفوضى. صاحب اللكنة ليس بالضرورة مهاجراً من لغة إلى أخرى بل قد يكون مهاجراً من لكنة إلى أخرى داخل نفس اللغة؛ عم عوض بواب العمارة التي أسكن فيها في القاهرة يتحدث للسكان بأدب جم، بقاهرية لا غبار عليها، تقفز لكنته الصعيدية بمجرد أن يصرخ في أحد أبنائه أو يتعارك مع أحد بوابي العمارات المجاورة.
**
صوت شخص ما قد يكون أكثر فردية في لغته الأم، يتم التعرف عليه بنبرته الشخصية، بـ "حبّته" و"تضلّعاته" إذا اعتمدنا على رولان بارت[1].  حين يحمل الصوت لغة أخرى تشوّش اللكنة على فرديته، تشير بدأب إلى الصوتيات الجماعية المختبئة للغته الأولى. صوت الـ  H في الانجليزية يصبح أقرب إلى الخاء العربية عندما تتحدث لي ناتالي زميلتي في العمل. إنه صوت الروسية وليس ناتالي فقط. في سنتي الأولى في أمريكا كان صوت حرف الـ P يبدو لي مثل حجر قادر على إسقاط أي كلمة تحتويه من خيط الضوء الذي أقف وراءه. هذا هو الحرف الذي نسميه بالعربية باء ثقيلة، حرف ليس من لغتنا ويكفي الفشل في نطقه لتخمين أن العربية هي لغة المتكلم المركونة في الداخل.
**
عندما تقدمت لوظيفة أستاذ في جامعة ألبيرتا كان عليّ أن أمر بكل ما تستدعيه المنافسة في سوق العمل الأكاديمي من اختبارات: تدريس فصل لطلاب أمام لجنة أكاديمية، مقابلات منفردة مع الأساتذة والطلاب والعميد، ولكن أقسى الاختبارات كان إلقاء محاضرة لمدة 45 دقيقة أمام حشد من الأكاديميين والجمهور الجامعي. لم يكن مضمون ما أريد قوله هو ما يرعبني بل كيف يمكنني أن أقوله بنعومة وبدون الاصطدام بمطبات الكلمات الطويلة، الكلمات ذات السواكن بلا حركة تفصل بينها، الكلمات المفصلية التي يعني سقوطها من التواصل سقوطي في الوصول إلى الوظيفة. بدت اللكنة في تلك اللحظة مثل عاهة نطق يجب التقليل من خسائرها.
البصريّ واصل بن عطاء (80- 131 هـ)؛ الفقيه المعتزلي الفصيح الذي يُشار له بالبنان كان يخطب بلغته الأم، وكان أعداؤه يتنمرون عليه بسبب لثغته؛ بسبب صوت واحد لا يستطيع نطقه كما يجب وهو حرف الراء. عبقرية ابن عطاء اللغوية ألهمته أن يخبيء عاهته بتفادي الكلمات التي بها هذا الحرف، كان عليه أن يستبدل قرب بدنو، أنوار بآلاء، يغفر بيعفو، فراش بمضجع ومطر بغيث.  له خطبة كاملة بدون حرف راء واحد. هذا ما كان عليّ عمله، تفادي الأصوات التي قد تبعثرها اللكنة فلا تصل لأحد. لا أذكر الآن كم من كلمات تم استبدالها لكني أذكر أن أفكاري كانت تتطور وتنتعش بسبب لعبة الاستبدال. بعض الكلمات لم يكن ممكناً استبدالها وأذكر منها كلمة: Architecture، آرك تيكْتْشر، هكذا حاولت أن أراها بحروف عربية، بجسد لغة أليفة حتى أتذكرها. لحظة نطقي بالكلمة في المحاضرة ترجرجتُ، خُيّل إليّ أن مسجداً أموياً بالتحديد ينهار في مكان ما وأن صوت زجاج شبابيكه المتكسرة يخرج مع صوتي.
 **
 لا يختار صاحب اللكنة الكلمات الأكثر دقة في لغته الأجنبية ليعبر عما يريد قوله كما يُفترض أن يفعل في لغته الأم، إن عليه تفادي الكلمات التي رغم دقتها قد تعطل صوته لأن ذبذبات اللكنة قد تقطعها بأكثر من طريقة. اللكنة تختار لصاحبها كلمات مناسبة بتفادي كلمات أخرى قد تكون أكثر دقة ولكن صوتياتها مستحيلة.  يمكننا تخيل أن غياب الدقة قد يشوش مضمون الرسالة المتلفظ بها عنما تصل لأذن من عليه تأويلها. يمكنها أن تعطل وصول الرسالة ربما، لكن الأكثر جمالاً هو أن نتخيل تلك اللكنة وهي تغير مضمون الرسالة أو تحول مساره، تستبدل رسالة باردة برسالة أكثر حناناً، أو جملة متحفظة بجملة أكثر جرأة.  بعد وصول رسالة لم يقصدها صاحب اللكنة قد يُفاجأ بجمالها، حتى ولو لم يقصدها فإنها وُلدت وسيكون محبطاً للأذن التي تلقتها أن يصححها طبقاً لنية هو وحده من يعرفها. يكون عليه أن يستمر مع خطأها فيراوده إحساس أشبه بـ "الشطح". اللغة ليست وحدها عاجزة بل الصوت أيضاً عاجز، اللكنة تجعلك تتداعى مع الكلمات كي تنتصر على عجز صوتك مثل متصوف، تأخذك لمسارات ورسائل وأحوال لم تظن أنها موجودة إلا بفضل لعبة الاختيار والتفادي اللانهائية.
**
الجسد هو دعامة بصرية يعتمد عليها خيط الصوت في الوصول بلكنته وبالرغم منها. غياب الجسد يجعل الخيط ضعيفاً وعرضة للتقطع والضياع. كثيراً ما يكون سهلاً أن أفهم شخصاً ما عندما نتبادل حديثاً وجهاً لوجه، على الهاتف تتضخم الانقطاعات ويتم التحجج بأن سماعة الهاتف قديمة وسيئة من أجل أن يكرر المتحدث جملته. الأمان الذي يشعه الجسد الذي نتحدث إليه يهديء من روع الصوت، يساعده ليس على التخلص نسبياً من لكنته بل على تجاهلها. عندما تتوقع أن الأذن التي تتحدث إليها لن تفهمك قد ترفع صوتك أكثر لتؤكد حضورك، لتصبح مرئياً، لتشغل أكبر حيز من الفراغ يمكن لصوتك أن يحتله. ولكن قد تخفض صوتك أيضاً وكأنك تريد أن تختفي من مشهد محكوم عليك فيه بالفشل. في الحالتين تتحكم اللكنة في الصوت وتهيمن على درجته.
 عندما كنت أذهب مع جدتي من القرية إلى مدينة المنصورة أوالقاهرة لزيارة مريض في مستشفى أو أقارب متمدينين، كانت تبدو لي كشخصٍ آخر، ملابسها كانت تبدو ضيقة لأنها ملابس الخروج المركونة في الدولاب والتي لم تلبسها منذ زمن، الذهب أيضاً الذي لم تكن ترتديه أثناء حياتها اليومية بين الخبيز والطبيخ كان يغير شكل وجهها ورقبتها، خشونة أصابعها كانت تلفت نظري عندما تزينها بالخواتم. مؤكد أن خروجها من ترف ممارسة سلطاتها على أفراد أسرة كبيرة داخل بيتها إلى مجرد زائرة في مدينة واسعة كان له دور في شعوري باختلافها عن ما أعرفه عنها، ولكن اللكنة أيضاً كانت تلعب دورها في ذلك. أتخيلها الآن تقول شيئاً من قبيل "محمد أبو اسماعيين اتجوّز نوها". لابد أن صوت "اسماعين" بدلاً من "اسماعيل" و"نوها" بدلاً من "نُهى" كان يشككني في سلطتها المطلقة ويشعرني بتوتر لم أكن أدري له سبباً محدد.
لا تصبح اللكنة مصدراً للشعور بالعار ولا تجعل صاحبها يتوتر إلا إذا كانت دلالة على وضعيته الأقل من وضعية الأذن التي يتوجه إليها بصوته. ما يحدد الوضعية يكون عادة أكبر من حبل الصوت ونيته، قد تكون علاقة المركز بالأطراف، علاقة المستعمر بلكنة سكان مستعمراته وهم يتحدثون لغته، التعليم بالأمية، المدينة بالريف، الطبقات المحظوظة بالطبقات الأقل حظاً. لا يمكنني أن أتخيل صاحب لكنة اكسفوردية يشعر بالعار وهو يتحدث مع صاحب إحدى لكنات الطبقة العاملة في انجلترا، ولا باريسيّ يتوتر وهو يسمع لكنته جنباً إلى جنب مع لكنة مهاجر من السنغال. اللكنة هي مجاز شفاف عن علاقات القوة.
أحياناً تحاول اللكنة الأكثر دونية في علاقات القوة هذه أن تتخلص من عارها بأن تحتمي بغربتها وغرابتها، بأن تكون "أكزوتيك". أعتقد أنني أقوم بذلك في بعض الأحيان لكني لا أنتبه لذلك إلا عندما أرى مثقفات يقمن به أثناء إلقاء محاضراتهن في المؤتمرات الأكاديمية أو كاتبات من أماكن أخرى يناقشن أعمالهن مع جمهور يتحدث اللغة الأكثر قوة- لغة المركز. لي صديق مصريّ كان له حظ الحصول على تعليم إنجليزي منذ الحضانة وقضى سنوات الجامعة في إحدى جامعات انجلترا، هذا الصديق قال لي مرة مغازلاً أو مجاملاً: "أحب انجليزيتك". فاجأني رد فعلي الغاضب على جملته؛ لا أحد يحب أن يكون "اكزوتيك" في بيته، شعرت أن صديقي يمارس نوعاً ما من التفوق أمامي، ذلك أنه لكنته تجعله أقرب إلى الانجليزيّ "الأصليّ" الذي يمكن أن يدرك أو يحب الأكزوتيك في التحدث بلغته.
**
 بعد كل هذه السنوات من التحدث والتدريس والكتابة بلغة أجنبية، من الصراع مع اللكنة، يفاجئني أحياناً شعور بأن صوتي بالعربية مختلف عن صوتي بالانجليزية، ليس أفضل أو أسوأ، فقط مختلف. أتذكر مرة دهشتي حين استمعت بالصدفة لرسالة مسجلة كنت تركتها على تليفون بيت صديقة استوضح منها العنوان الذي تهت كالعادة عنه. يعجبني أن أؤوّل أجامبن الذي رأى أنه لا يمكن التفرقة بين النطق والخطاب في الصوت الذي يلفظهما[2]. صوت تائه متوتر، صوت بلكنة؛  لا يمكن إلا أن يكون خطابه سؤال عن طريق للوصول أثناء رحلة من التهتهة والتوهان.







[1] - Barthes, R "The Grain of the Voice", Image, Music, Text, translated S Heath, Hill and Wang, New York, 1977.

[2] - Agamben, G "Language and Death: The Place of Negativity", Theory of Literature Volume 78 


نُشرت هذه المقالة في كتاب "الأذن الوسطى" الذي ضم نصوصاً لمحمد عبد النبي، إيمان مرسال، ياسر عبد اللطيف، هاني درويش، وائل عشري، دعاء علي وهيثم الورداني. قام بتحقيق الكتاب مها مأمون وهيثم الورداني وصدر عن مؤسسة الشارقة للفنون 2011.