There was an error in this gadget

Tuesday, 8 December 2015

سنيّة صالح: يخرج واحدُنا من جوف الآخر




لم أجد سنيّة صالح في القاهرة؛ بدأت رحلة البحث قبل سفري إلى مصر هذا الصيف، حاولت مكتبة «تنمية» ومكتبة «الكتب خان» الحصول على نسخة من أعمالها الكاملة الصادرة عن «دار المدى» من أجلي ولم تنجحا في ذلك. بعد وصولي، ذهبتُ إلى «دار الشروق» حيث قسم الشعر مختبئ تحت السلم الداخليّ للدار، ويقتصر على شعر العاميّة المصريّة الأكثر مبيعاً
الشعر أفضل حالاً في مكتبة «مدبولي»؛ ستجد محمود درويش ومحمد الماغوط وأدونيس مع الأبنودي وأحمد فؤاد نجم مرئيين في الدور الأول. قال لي البائع الخبير الذي أعرفه منذ كان شاباً في التسعينيّات: «مين هي سنيّة صالح؟»، وأخذني لأبحث بنفسي في متاهة الدور الثاني. وقع في يدي بالصدفة أكثر من كتاب كنتُ يئستُ من العثور عليه. هناك الكثير من الشعراء التموزيين والستينيين وبعض شعراء السبعينيّات، بل من الدراسات الأدبية الثقيلة التي قامت على أعمالهم فوق طاولة في منتصف إحدى الغرف. لا أثر لسنيّة صالح.
وقفتُ أنظف يدي وملابسي من الغبار بالمناديل المبللة وأنا أتخيّل أن هذه الطاولة المزدحمة بالكتب والتراب مائدة عشاء. ميّزت محمد الماغوط بجسده الضخم، الشاعر البدويّ الذي لا يحب أن يقرأ الفلسفة ويكتب للعاديين والفقراء - كما يحب أن يرى نفسه. الحائط خلفه مليء بالصور التي رسمها فنانون لوجهه. في مواجهته الشاعر الفيلسوف بذاته، أدونيس، محطّم العادي والمألوف ومخرّب اللغة القرشيّة - كما يحب أن يرى نفسه، يمسك بأناقة شوكته وسكينته في احترام واضح لآداب المائدة بينما الناقدة خالدة سعيد تجلس في وقار بجانبه. كان هناك آخرون أقلّ نجوميّة، كم أحب أن أصفهم لولا أن الغرفة ضيقة وحارة وخانقة. بجانب الباب الذي يجب أن يكون قريباً من المطبخ، كانت تجلس سنيّة صالح، لا أعرف كيف كانت تحب أن ترى نفسها، ليس لها صورة عندي لأعرضها، ما أتخيّله من كل ما قرأته عنها لا يزيد على أنها شاعرة كبيرة، ضحيّة، كانت تستحق الكثير من القراء والنقد؛ لكن الأكثر شيوعاً أنها مثلاً الزوجة المتفانية المخلصة للأوّل، وأنها أخت لخالدة سعيد، وأنها أم لبنتين ربما تنامان في الغرفة المجاورة. أستطيع من وقفتي هذه أن أرى يديها فأتذكر ما كتبه الماغوط مرة عنها «حكّت بأظافرها الجميلة الصافية قشرة التابوت وبريق المرآة». هو لم يكتب بعد ذلك عن أظافر امرأة أنهكتها الوظيفة المكتبيّة، وتنظيم حياة الزوج وإعطاء الأولوية لشهرته، بل وإعداد هذا العشاء. إنهم يتحدثون في موضوع هام، إنها تقضم أظافرها في صمت متمنية أن تمرّ الزيارة على خير، ألّا تبكي في آخر الليل معركة بين هذه الذوات الكبرى أو فشلها في أن تكون حمامة للسلام الاجتماعيّ.
عندما أتخيّل صوت سنيّة صالح الذي لم أسمعه قَطّ، أنصتُ إلى عديد خافت ومكتوم يتسرّب إليّ من وسط ضجيج يضم ثوريين بهتافاتهم الجهوريّة، محاربين متحمسين للانتصار، أو مكسورين من الهزيمة، غاضبين يصرخون ضد الدولة والديكتاتور والمجتمع واللغة المجدورة، حالمين يريدون تغيير الواقع وتفجير مؤسساته ويؤسسون في نفس اللحظة لعالم يُشبه ما يطمحون إلى تغييره. صوت سنيّة صالح لا يحتلّ أُذن من يُنصت إليه لأنه يُمثل مدرسة شعريّة لها آباء وفيها أُصلاء ومقلدون، ولا لأنه محظوظ بالصمت الذي حوله، بل لأنه صوت فرديّ ومتفرّد وسط مظاهرات شعريّة، يستطيع أن ينجو بنبرته الخاصّة ويقتحمك رغم أنه مُحاط بالأنبياء والأبطال والشهداء والزعماء.
لم يصلني صوت سنيّة صالح في الوقت الذي كنتُ في أشدّ الحاجة إليه، كان يجب أن أقرأها في سنوات التكوين الأولى. عندما كنتُ أتساءل لماذا لا توجد شاعرة عربيّة حديثة أنتمي إليها. لم أسمع بها عندما كنتُ أُفكر ـ ولا أجرؤ على قول ـ إن نازك الملائكة وفدوى طوقان وسلمى الجيوسي على سبيل المثال شاعرات مهمّات؛ تعود إليْهن لفهم شيء ما عن تطور القصيدة العربيّة، عن إسهام المرأة العربيّة فيها، لمعرفة السقف المنخفض الذي لم تستطع الشاعرة العربيّة أن تزيحه أو قررت بإرادتها أن تستظلّ به. ولكن ليس بينهنّ من تذهب لتبحث عن قصائدها لأنك في حاجة إليها. إنهن شاعرات يُقرأن في المكتب، تستحضرهنّ في الفصل الدراسيّ، دائماً في الظهيرة حيث يكون الأرق بعيداً ومختبئاً في غرفتك إلى أن يحلّ الليل. لم يخبرني أحد أن هناك مَن كتبت في بداياتها قصيدة «جسد السماء» التي فازت بـ«جائزة النهار لأفضل قصيدة نثر» في 1961 حيث تقول: «وها أنا أتدحرجُ كالحصى إلى القاع/ فليكن الليل آخر المطاف».
ما يشغلني في صوت سنيّة صالح ليس فقط فرادته، بل أيضاً، إمكاناته المُهدرة، تلك المناطق المجهولة التي كان ممكناً في حالتها - رغم كونها كاتبة عربيّة بدأتْ في ستينيّات القرن العشرين، ورغم لحظتها التاريخيّة المليئة بأنبياء الشعر - أن تفتحها ولم يحدث. إنني لا أقترح عليها تصوراتي هنا، ليس عندي أيّة اقتراحات على شاعراتنا الأخريات على أيّ حال؛ ولكن هناك ما يستفزني عند قراءة مجموعاتها الشعريّة الأربعة معاً، شعور وكأن هناك كنزاً قد بُدِّد الكثير منه في عُطلات الكتابة ومنعطفات الحياة، بل وعدم ثقة يجعل هيمنة الشعريّات المجاورة لها تغريها على أرضيّتها الجاهزة أحياناً.
يبدو لي أن قصائدها الأخيرة في «ذكر الورد» (1988) هي التطوير الممكن لقصائدها في مجموعتها الأولى «الزمان الضيق» (1964)؛ أقصد عمق الصوت ووضوحه ومدى حفره في الفجيعة الإنسانية التي شغلته طوال رحلته. في «الزمان الضيّق»، تحتلّك الصور لا الأفكار؛ تشم رائحة احتراق، لا تبهرك نار البعث ولا تقابل الفينيقيين في الصفحات، يخبرك صوت القصائد ببساطة: «أنا أسير/ بلا ليل/ وطني ورائي».
في مجموعتيها الثانية والثالثة، «حبر الإعدام» (1970) و«قصائد» (1980)، يمكنك أن تدرك الصوت نفسه وهو يتحمّل بخبرات جديدة، مثل الأمومة وارتباك الحب وهزائمه وخياناته، حيث يوجد ليل طويل في البيوت المهجورة ومطر منفيّ عن سمائه وفصول عظيمة لصيد الأعشاب وأخرى لحرقها وموت ينتظر على الأبواب وضحيّة تقتفي أثره. تجد في المجموعتين بعضاً من أجمل قصائد الشعر العربيّ الحديث من حيث توحّش الخيال وشفافية اللغة جنباً إلى جنب مع قصائد متعثرة في لغتها ومشاع في صورها؛ على سبيل المثال، تبدأ مجموعتها الثالثة بقصيدة «شام، أطلقي سراح الليل». يُدهشنا صوت أم لا يوجد مثله في القصيدة العربيّة حتى اليوم، حيث يكون على الأم أن تلد نفسها أيضاً: «أيتها اللؤلؤة/ نمتِ في جوفي عصوراً/ استمعتِ إلى ضجيج الأحشاء/ وهدير الدّماء/ حجبتُك طويلاً… طويلاً/ ريثما يُنهي التاريخ حزنه/ ريثما يُنهي المحاربون العظماء حروبَهم/ الجلادون جَلْدَ ضحاياهم/ ريثما يأتي عصرٌ من نور/ فيخرج واحدُنا من جوفِ الآخر
تقرأ في نفس المجموعة الشعريّة قصائد مثل «الحظيرة»، و«خريف الحريّة»، و«الفجر»، «مخصّصات النّسر الميّت»، و «جرذان التاريخ». إنها قصائد تجعلك تتساءل ما الذي أربك أو شتّت أو غيّب الصوت الذي تحبه؟ إنه ليس صوتاً مدعياً ولا مزيفاً مع ذلك، كأنه يشارك أحياناً في مظاهرة جماعيّة حتى يتم الانتباه إليه، أو لمجرد أن يتخلّص من وحدته التي تشبه «وحدة امرئ على أبواب الإعدام». ربما كانت سنيّة صالح نفسها تعي ذلك؛ أليست هي من كتبت: «فأين الهواء العظيم ليحمل الصوت/ المتألّم؟».
لقد صرحتْ صالح قبل مجموعتها الأخيرة «ذكر الورد» بسنوات: «ليس لي أي طموح من أي نوع كان. أنا أعجز من أن أغيّر العالم أو أجمّله أو أهدمه أو أبنيه، كما يقول بعض الشعراء، ماذا يؤثر في العالم الكلام في الحلم؟ […] إنما أحتفظ لنفسي بحرية الحلم والثرثرة». أظن أن «ذكر الورْد» كان الطموح الذي سعت له صالح طوال رحلتها حتى ولو لم تصفه لنا خجلاً منها أو غموضاً منه؛ تحرّر الصوت الشعريّ من التذبذب ومن التعثّر بل ومن بعض الرقة التي وسمته أحياناً، ولم يعد يقيس ثقته في ذاته بحجم الأصوات المجاورة له. فيما قبل «ذكر الورد»، تغيب المدينة بشوارعها وعلاقاتها وضجيجها عن قصيدتها. تبدو الطبيعة بما فيها من ظلال وصراع وعنف وموت وكأنها مجال مناسب لحركة الروح أكثر من الأساطير والرموز والاستلهام التاريخيّ وغيره مما شغل حيّزاً كبيراً في قصيدة المجايلين لها. لكن في «ذكر الورْد» يحلّ الجسد محلّ الطبيعة، يحضر بتاريخه وذاكرته وعتمة رغباته وغضبه الشخصيّ الذي لم يلتفت له من قبل، كما تحضر الطبيعة التي تحرّك فيها والخطر الذي يهدده بالفناء. هناك عنفٌ وبصيرة وتدفّق لا تمسك بها إلا شاعرة كبيرة بحق. هذه هي القصائد التي أردتُ أن أكتب عنها منذ البداية ولكن ربما كان صعباً أن يحدث ذلك قبل أن أكتب ما سبق. 

نُشرت هذه المقالة في مُلحق كلمات، الأخبار اللبنانيّة. العدد ٢٦٦٦، السبت ١٥ آب ٢٠١٥



Sunday, 11 October 2015

عن الأمومة والعنف






أقول: “أنتِ لن تهزميني
لن أكون بيضةً لتشرخيها
في هرولتكِ نحو العالم.
جسر مشاة تعبرينه
 في الطريق إلى حياتِك
أنا سأدافع عن نفسي”

المقطع السابق من قصيدة للشاعرة البولنديّة أنّا سوير (١٩٠٩ - ١٩٨٤)، تتحدث فيه إلى ابنتها المولودة للتوّ. لكن القصيدة نُشرت لأول مرة في بداية السبعينيّات، أي بعد خبرة الولادة بثلاثين عامًا على الأقل - إذا أخذنا في الاعتبار سيرة حياة الشاعرة. من الصعب ألّا نتساءل كقرّاء: هل احتاجتْ سوير لكل هذه السنوات لتربي غضبًا ما تجاه مولودتها، لتعيد استرجاع أو تطوير هذا الغضب في قصيدة عنوانها “أمومة”، حيث تصل المولودة لتهدّد حياة الأم ووجودها. عُمق ما أمسكتْ به سوير ليس في تعميم الصراع بين الأم ومولودها -  إنه ليس صراع ملكيّة ولا جندر ولا أجيال - بل في ربطه بالولادة كعملية بيولوجيّة يشترك فيها كائن عاش وتكوّن وقام باختيارات ما تخص وجوده قبل لحظة الولادة، وهذا الصغير الدّمية الذي خرج للحياة من أحشاء الكائن الأول لتوّه.

يخرج هذا الصراع بين الأم ومولودها على الأرشيف الإنسانيّ العام حيث الأمومة عادة عطاء، تماهٍ بين ذاتيْن، حب لامحدود وغير مشروط. كأنّ قصيدة سوير تجعلنا نفكر في أمومتيْن: أمومة المتن - الذي تكوّن عبر الخطابات الدينية والفلسفات والأخلاق والقيم الاجتماعية المقبولة - حيث يُنظر إلى الأمومة كفطرة إنسانيّة محميّة بشكلٍ طبيعيّ من الصراعات والتوتر. وأمومة في الهامش قد تجد شظاياها السرديّة في بعض كتب الطب والنصوص الأدبيّة وقصص الجرائم الأسريّة، حيث هناك أصوات متفرقة تحاول التعبير عبر المرض النفسيّ أو الكتابة أو الجريمة عن الرعب والصراع والتوتر داخل أمومتها. ما يشغلني هنا ليس كيف استقرّت ملامح محددة للأمومة داخل المتن العام، ولكن كيف نُنصت إلى ما يخرج عليه ويعارضه. كيف يمكن أن ندرك أن الأمومة الموسومة بالإيثار والتضحية تنطوي أيضًا على الأنانيّة وعلى شعور عميق بالذنب. كيف يمكن أن نراها في بعض أوجهها صراع وجود، توترًا بين ذات وآخر، وخبرة اتصال وانفصال تتم في أكثر من عتبة مثل الولادة، والفطام، والموت. 

مثاليّة الأمومة في المتن الثقافي العام تسبب مزيدًا من الشعور بالذنب عند هؤلاء الذين يشكّون في كنه هذه المثاليّة داخل خبرتهم الشخصيّة. إنها تُقابل التعبير عن كل خبرة مختلفة بإدانة أخلاقيّة واجتماعيّة، ربما لهذا هناك ندرة في سرد خبرات الأمومة خارج المتن المتفق عليه. ربما لهذا أيضًا احتاجت سوير إلى عقود لتتحرر فيها من قوْل ما هو متوقع منها، وهو ما لم يكن ليحدث في كل الأحوال بدون جهود شتى وسّعت التساؤلات النسويّة عن كل ما تم تعميمه وتنميطه في علاقة المرأة بجسدها وبالعالم.

شرخ الأمومة يبدأ من الداخل

ترفض الأم أن تكون بيضة يشرخها المولود في طريقه لحياته. يكمن هنا رعب التهديد وجديّته؛ لحظة ولادة شخص جديد تتطلب موت الكائنات الأخرى، موت السابق شرطٌ لا غنى عنه لكي يحصل الجديد على مجال لحياته كما يرى جورج باتاي. كأنّ ما يراه  باتاي الجانب الساحر في مأساة الحياة هو نفسه ما تراه سوير تهديدًا بالفناء، الجانب المأساوي في أكثر لحظات الحياة سحرًا. في الحالتيْن  يبدأ شرخ الأمومة من الداخل. 

في كتابه “الجين الأناني”، يصف ريتشارد داوكنز الحروب اللانهائية التي على الجين أن ينتصر فيها من أجل الحفاظ على النوع. البقاء ليس للأصلح فقط بل للأكثر أنانيّة وقدرة على كسب معركة االوجود ضد الجينات الأخرى.لا توجد تضحية غير مشروطة؛ إنكار الذات عند داوكنز  هو طريقة للحفاظ على الجينات، الاستثمار في الجين مرهون بإثبات قدرته على الاستمرار وحده بعد ذلك. يأخذ الجنين نصف جيناته من الأم، ويعتمد عليها في كل ما يحتاج ليعيش، حتى لو كان ما يحتاجه ضد مصلحتها. طريقة الجنين المبرمجة على الأنانية تُسخّر جينات الأم وتجعْلها تنكر ذاتها من أجله عبر “الحب”. إذا تخيّلنا أن رغبة امرأة في أن تكون أمًا لا تخلو من رغبتها الفرديّة في أن يكون هناك امتدادٌ لها، صورة منها، أن تترك جزءً منها في الحياة بعد موتها؛ فإن الحب والإيثار والتضحية مشاعر لا تخلو من حب الذات ومن أنانيّة الأم نفسها.

بنفس الدرجة، يمدّنا أي وصف طبيّ لعمليّة الحمل والولادة بمجازات عديدة عن التهديد، الصراع، الانتقاء، الاستثمار، والخطر؛ يدافع الرحم عن نفسه ضد الجنين الضار، يزداد جداره سُمكًا وهذا ما يؤدي إلى الحيض، إنها الوسيلة التي يختبر بها جسم الأم صلاحيّة الجنين حتى يقبل باستمراريّته. على جسد الأم أن يتأكد أن الحمْل هو استثمار جيد للمستقبل. ستتكوّن المشيمة إذا كسب الجنين معركته، لكن في نفس الوقت لابدّ من تكوّن غشاء رقيق يفصل دم الأم عن دم الجنين، الانفصال لا التماهي هو شرط النجاة لكليْهما. يحمل الحبل السرّيّ الغذاء والأكسجين من الأم لجنينها والنفايات من الجنين لأمه، ولكن خلال نقل ما هو ضروريّ من أجل الاكتمال، قد تنتقل الأمراض من الأم إلى ما تحمله. بيولوجيًّا، الجنين غريب داخل جسد أمه، كائن طفيليّ، وقد يصيبها أيضًا بعدد كبير من الأمراض عبر وجوده داخلها كما قد يتسبب في موتها قبل أو أثناء أو بعد الولادة. هذا الصراع الذي يحدث في المستوى البيولوجيّ لا يمكن أن نتوقع اختفاءه من العلاقة بين الأم وطفلها بعد الولادة. إنه الصراع الذي قد يجعل في كل تضحية من الأم تجاه طفلها شعورًا ملتبسًا بالتهديد، وفي كل ممارسة منها في حب ذاتها شعورًا عميقًا بالذنب.

أشار ابني إلى تمثال ضخم يتواجه على قاعدته تمساح وسمكة قرش ثم سأل:
 إذا تعارك التمساح مع سمكة القرش، من الذي سينتصر؟
 لا أعرف، مَن سينتصر في رأيك؟
 الديناصور طبعًا!

إذا كان هناك صراع بين ذات الأم وذات طفلها فلن ينتصر أحدهما، سينتصر الديناصور “طبعًا”؛ إنه “الذنب”. يبدو الشعور بالذنب وكأنه الشعور الذي يوحّد الأمهات على اختلافهن.  إنه يكمن في المسافة التي تقع بين الحلم والواقع مثلما في البنوّة والحب و العمل و الصداقة، هو أيضًا نتاج المسافة بين مثالية الأمومة في المتن العام وبين إخفاقاتها في الخبرة الشخصيّة. إنه شعورٌ جوهريّ حتى أنه يصلح كتعريف لممارسات الأم في حياتها اليوميّة: ابنك وزنه أقلّ من معدّل وزن من هم في عمره، لابد أنك لا تطعمينه ما يكفي. لقد استيقظ فزعًا من كابوس لأنه لا يشعر بالأمان. أنتِ لم تحضنيه أمام باب المدرسة لأنك كنت متأخرة عن عملك. أنتِ لم تتعلمي التزحلق على الجليد ورغم أنكِ تذهبين معه وتقفين في طابور في درجة حرارة عدة عشرات تحت الصفر فلن تستطيعي مساعدته في لبس هذا الحذاء العجيب وهو في النهاية سيذهب للتزحلق وحده بينما أنتِ تجلسين في المقهى تقرأين كتابًا في انتظاره. أنت امرأة متعكّرة المزاج في الصباح ومشغولة البال في المساء. الأمهات الأخريات يستمتعن بلعب الشطرنج ويحفظن الكثير من أغاني الأطفال.

 الأم التي لا تشعر بالذنب تجاه أطفالها، هي تلك التي أتاها ملاكٌ في لحظة الولادة وشقّ صدرها، استأصل النقطة السوداء التي هي منبع الشرّ، حرّرها من هويّتها السابقة وشفاها من العدميّة أو الطموح، تمامًا، كما يحدث مع الأنبياء في عمليّة تجهيزهم للنبوّة. 

لا يرتبط الشعور بالذنب بالتقصير فقط ولا بتمزق المرأة الحديثة بين العمل والأمومة. إنه ينبثق أحيانًا من نموذج مثالي للأمومة، حيث لا نهاية لما يمكن أن تقدمه الأم لطفلها من حب وحماية واستثمار في الوقت والتعليم …إلخ.  إنه قد يأتي أيضًا من التاريخ الشخصيّ السابق على الأمومة.

 بمجرد تأكدي من الحمل الذي أردته بكامل إرادتي، لم أشعر بالفرح الذي توقعته؛ سيطر عليّ طوفان من المخاوف والرعب من أن جسدي غير صالح للقيام بهذه المهمة. كنتُ في الثانية والثلاثين، واكتشفتُ فجأة أنني لم أهتم بصحتي أبدًا، أن الجسد كان مجرد وعاء لما أظنه نفسي، آلة لا تُطالب بشيء ومع ذلك من المنتظر منها الاستمرار في الخدمة. كنت قد بدأت التدخين بشراهة قبل عشر سنوات، عشتُ نمط حياة شبه بوهيميّ حيث لا يحتاج الجسد إلى وجبات منتظمة ولا إلى ساعات محدّدة من النوم. هذا، بالإضافة إلى تاريخ من أدوية الاكتئاب والمنوِّمات والمسكِّنات وغيرها مما وصلت إليه يديّ. هذا هو تاريخ جسدي قبل الحمل، أما بمجرد حدوثه، فقد ظهرت مؤسسات شتّى تعمل ليل نهار على تنويري بكل المخاطر الممكنة التي قد يسببها هذا التاريخ الشخصيّ للجنين. الشعور بالذنب كان أسبق في أمومتي من كل المشاعر الأخرى.

كلمتُ أبي في صباح أحد أيام الشهر الثالث من الحمل، سألته إذا كنتُ قد أُصِبتُ وأنا طفلة بالحصبة الألمانيّة. قال لي: أنتِ لم تُصابي بالحصبة التي نعرفها ولكن ما هي الحصبة الألمانيّة؟ لم أكن أعرف في الحقيقة إذا كنا نتكلم عن حصبتيْن مختلفتيْن. كل ما حدث أنني قرأت في الليلة السابقة عن مخاطر إصابة الأم بالحصبة الألمانيّة، وكيف أن العدوى يُمكن أن نتنقل إلى الجنين وتؤدى إلى ولادة طفل أبكم أو أعمى أو بتشوّهات في القلب والجهاز العصبىّ. لم يخطر ببالي أني سأختلف مع أبي على المصطلح الطبيّ. سألته إذا كان من الممكن أن يحصل على تقرير من الوحدة الصحيّة التي نتبعها بكل التطعيمات التي حصلتُ عليها كطفلة. ردّ أبي ببساطة أن الوِحدة التي كنا نتبعها حتى نهاية السبعينيّات تم هدمها وأنه رأى بأم عينيه كيف تم حرق كل الملفّات التي كانت بها قبل الانتقال لمبنى آخر.

مع وضد المؤسسات 

ربما أنني فكرتُ أن عدم قراءة كل هذه المعلومات عن الحصبة الألمانيّة أكثر رحمة من معرفتها. أن المعرفة الدقيقة بابٌ للرعب والكوابيس، بينما المؤسسة الوحيدة التي كان يمكن أن تطمئني، اختفت. جسد بلا تاريخ طبيّ موثق يواجه ثورة الطب الحديث التي تُسائل وتستشرف مستقبله جزئيًّا من تاريخ أمراضه وتطعيماته. 

لا تستطيع المرأة الحديثة أن تنعم بالسكينة وهي محاصرة بمعرفة ما يحدث في جسدها الحامل يومًا بيوم؛ الطبيبة، منشورات مكتب الصحة، كتب الإرشادات التي تقول لها ماذا تأكلين وكيف يجب أن تشعري، وما هي معدّلات زيادة الوزن التي ستمرين بها في كل مرحلة، تقارير طبيّة تصف لها ما تشعر به من غثيان وأحلام غريبة في الشهور الأولى، أو آلام الظهر وازدياد مرات التبوّل في الشهور الأخيرة. الأكثر من ذلك؛ جبل من الكتب المطبوعة والمواقع الطبيّة المتخصصة على الانترنت تحذّر من الكوارث التي من الممكن أن تمر بها هي ومن في بطنها؛ من الإجهاض إلى الولادة المبكرة، من تسمّم الحمل إلى تشوّهات الجنين، من جدري الماء إلى احتمالات إنجاب طفل معوق، مشوّه، مُصاب بعيوب خلقيّة. 

هل تقف مؤسسات الطب الحديثة بين الأم وجنينها؟ هل قصدتُ من القصة السابقة أن معرفة مخاطر الحمل تسبب الكثير من التوتر لا البهجة التي قد تأتي من الجهل بهذه المخاطر؟ هناك كتابات مهمة تنتقد دور مؤسسات الطب والطفولة والأمومة في الغرب، لكني في الحقيقة لا أستطيع أن أتبنى هذا  المكان في“نقد” هذه المؤسسات، دون الاعتراف بأن هذا التبني في حالتي ستنقصه الأصالة. طبقًا لمنظمة الصحة العالميّة، هناك ما بين ٢٨٩٠٠٠ و ٣٤٣٠٠٠ امرأة تموت سنويًّا خلال تعقيدات الحمل والولادة وأن ٩٩٪ من هذا العدد يموت فيما يُسمى بالعالم الثالث. أنا مررتُ بتجربة الحمل والولادة في العالم الأول وتمتعتُ بآخر إنجازاته الطبيّة، ولكنني في الأصل أنتمي لما يُسمى بالعالم الثالث. موقفي من مؤسسات الطب والطفولة والأمومة شائك ولصيق بخبرتي في العالميْن. عرفتُ في طفولتي نساء مُتن أثناء الولادة، يمكنني أن أحكي قصصًا كثيرة عن ذلك، ولكن لماذا نذهب بعيدًا، يكفي أن أقول أن أمي نفسها ماتت في سن السابعة والعشرين بعد عدة ساعات من ولادة طفل ميّت. أنه لم يكن في متناول يدها كتب لتقرأها فتعرف أن سكون الجنين لعدة أيام في الشهر التاسع علامة خطر، أن المستشفى التي ذهبت إليها لم تكن قادرة على إنقاذها. أمي التي ماتت في سبعينيّات القرن العشرين، مثال نموذجيّ لكثير من نساء العالم الثالث إلى اليوم، نساء يلدْن - للحظ السئ - في لحظة يتعرّض فيها الطب التقليديّ والتبادل الشفوي للخبرات لانقطاع واضطراب بسبب الحداثة، بينما لا تتوفّر لهنّ مؤسسات طبيّة تستطيع أن تقوم بهذا الدور بسبب تعثّر نفس الحداثة.

ولدتُ ابني الأول في كندا، بعيدًا عن الأهل وفي شبه عزلة حيث كنتُ قد وصلت إليها منذ شهور فقط وليس لي فيها أصدقاء بعد، لكن كانت هناك الرعاية الكاملة من المؤسسات الطبيّة. أثناء زيارة روتينية للطبيبة، قالت لي بجديّة أنها تشتبه في إصابتي باكتئاب ما بعد الولادة. أعطتني كتيبًا عن المرض وأرسلتني إلى جروب ثيرابي يضم خمس أمهات أو مريضات غيري ويواجهن صعوبات مختلفة. على مدى ستة أشهر كنا نجتمع مرّة أسبوعيًّا مع طبيب نفسيّ ومتخصّصة اجتماعية. كان يُطلب منّا في كل مقابلة أن نقوم بتدريب محدّد يُسمّى “واجب”؛ مثل أن نحكي عن أكثر لحظة رعب مرّت كلٌّ منا بها في الأسبوع السابق، عن أي رغبة في إيذاء الذات أو الطفل، عن الأحلام والكوابيس وعدد مرات البكاء المفاجئ. كلّهن كنديّات وُلدن وعشن في هذه المدينة ولديهن دعم أسريّ بشكل أو بآخر ما عدا أنا وطبيبة إيرانيّة لم تستطع بعد أن تحصل على شهادة ممارسة تخصّصها في كندا.
 إحدانا كانت تكره أمها للغاية أو هكذا قالت: “أنا أكره أمي وأحتقرها أكثر من أي شخص في العالم، أنا يقتلني الرعب أن تكون علاقتي بطفلتي مثل علاقة أمي بي”. واحدة منّا كانت تُعاني من الأرق، تراقب ابنها طوال نومه حتى توقظه إذا توقف فجأة عن التنفّس. حكت لنا الإيرانيّة أنها ولدت ابنها ولادة طبيعيّة في المستشفى، أن كل شيء مرّ على ما يرام ما عدا أنها فشلت لأسبوع كامل في إرضاعه رضاعة طبيعيّة: “تحجّر اللبن في صدري،  ابني عنده عيب خلقيّ في شفته السفلى يمنعه من استدرار اللبن. جرّب الأطباء معي كل شيء ولم أنجح. كلّمت جدّتي في أصفهان وحكيت لها ما يحدث لي. قالت أحضري مشطًا أسنانه ضيقة، ضعيه في ماء دافئ وبعد تجفيفه دلّكي صدرك عدة مرات كل ساعتين، قالت لي أيضًا ضعي الطفل تحت إبطك بحيث تكون قدميْه خلفك واسندي رأسه بيدك كأنك ترقصين معه واقفة وهو سيرضع، ونجحتُ في إرضاعه في أقل من يوم”. لا شك أننا جميعًا انبهرْنا من عبقريّة النصيحة التقليديّة ونجاحها، لكن الطبيبة الإيرانيّة بدت تعيسة للغاية. بدا لي وكأنها غير قادرة على الاستمتاع بهذه التجربة لأن أمومتها حدثت في غير مكانها الأصليّ، أوأن فرحتها بها مؤجلة حتى تعود إليه. انتبهتُ إلى أنه بصرف النظر عن فاعليّة الجروب ثيرابي والمؤسسة التي تقف خلفنا، فأنا وهي لا نشعر بالأمان لأننا دخلنا إلى التجربة ونحن بعيدتان عن الأهل ولأن هناك مرجعيّة ما نفتقدها في الغربة.


مرجعيّة الأمومة
يبدو أن التفكير بالأمومة يستدعي النظر في نفس اللحظة إلى اتجاهيْن مختلفيْن؛ اتجاه الماضي عندما كنتِ ابنة لأم، واتجاه المستقبل عندما أصبحت أمًّا لطفل. لا أعرف بأي طريقة تشكُّل البنوّة أمومتنا لكن في مقدوري أن أتخيّل استحالة تحييدها أو تفاديها.هل يمكن أن يكون ذلك في حد ذاته سببًا غير مرئيّ لتوتّر أمومتنا؟ إذا كانت أمكِ بالغة الحنان فربما تريدين أن تكوني مثلها وربما تشعرين بالذنب لأنك لا تستطيعين ذلك. إذا كنتِ مشروع أمك الأول الذي استثمرتْ فيه كل ما تملك لتكوني كما تريد فقد تكرري نفس الاستثمار مع طفلك، أو قد تراقبي نفسك حتى لا تعذبيه - أنت التي تعذبتِ لتتحرري من طموحات أمك. سواء كانت أمك مسالمة أو عنيفة، دافئة أو  باردة، عاقلة أو مجنونة، فلابد أن هناك مرجعيّة لكيفيّة الأمومة التي تحلمين بها. لكن ماذا لو كانت أمك قد ماتت قبل أن تكوّني ذاكرة عن علاقتها بك، ماذا عن غياب الأم أو اختفائها كمرجعيّة شخصيّة يمكنك أن تتبنيها أو تتعاركي معها عندما تصبحين أمًا؟ وماذا عن تجربة الأمومة في الغربة، حيث تغيبين أنتِ عن “وطنك” الأم؟ هل هذا يجعلكِ أكثر حريّة أم أكثر ضياعًا في ممارسة دورك كأُم؟ 

قد تكون حوّاء هي المرأة الوحيدة التي مرّتْ بخبرة الأمومة بدون أي ذاكرة شخصيّة أو جماعيّة عن كونها بنتًا لأم، بدون مرجعيّة تستضئ بها. كيف ولدتْ حوّاء مولودها الأوّل إذن؟ كيف تصرّفت مع الغثيان خلال الشهور الأولى، وهل أحبّت مولودها حين خرج منها، ومن الذي قطع الحبل السرّي بينه وبينها وبأي آلة، هل كان هناك ثدييات لتراقبها وتقلّدها أم أن هذا النوع من المعرفة يأتي بالفطرة؟ هل أرادت حوّاء أن تكون أمًّا أم لا، ثم كيف لها أن تعرف إذا كانت هي نفسها لم تولد من رحم أم ولم يكن في الدنيا أنثى أخرى قبلها! سمعنا أن حواء وآدم ارتكبا معصية، وأنهما طُردا من جنة عدن. عوقِب آدم بأن يشقى في الأرض، وهو عقاب قد نرى من موقعنا في العالم الحديث أنه ليس خاصًا بالرجل، بل بالبشر جميعًا رجالاً ونساءاً. لكن عقاب حواء يخصها وحدها ولا يشاركها فيه رجلٌ وهو آلام الولادة  “تكثيرًا أُكثر أتعاب حبلك، بالوجع تلِدين أولادًا، وإلى رجُلك يكون اشتياقك، وهو يسودُ عليكِ" سفر التكوين ٣: ١٦]. 

من الصعب تخيّل الولادة الأولى على الأرض، بدون خبرات سابقة وبدون مؤسسات. من الصعب تخيّل النساء اللواتي ولَدن في الصحراء والحقول وغرف الخبيز  وأطراف المدن أو فقدْن حياتهن قبل اكتشاف التخدير أو المضادات الحيويّة. ولكن يظل من الصعب أيضًا أن تلدي وأن تكوني أمًّا، اليوم، ومع كل الامتيازات الطبقيّة والطبيّة الممكنة. الولادة فعلٌ فرديٌّ، بغض النظر عن الأطباء والمساعدين ودعم الزوج والمحاليل والمسكنات. أنت وحدكِ عليكِ أن تلدي وأن تتحرري مما بداخلك لأن الألم أصبح لا يُحتمل، لأن حياة المولود أصبحت مرهونة بالانفصال عنه ولأن وجودكِ أصبح موقوفًا على هذا الانفصال. 
ستبدئين بعد الولادة رحلة مع كائن من المفروض أنه جزءٌ منكِ ولكنه أحيانًا أيضًا يبدو لكِ غريبًا. مع كل خطوة في هذه الرحلة سيواجهك سؤال جديدكأن عليك اختراع أمومتك من البداية، كأنها لم تحدث لأحدٍ قبلك، كأنها اختبار لا نهائيّ لوجودك الشخصيّ ذاته، لعلاقتك بجسدك أولًا ثم لعلاقاتك بكل ما كنتِ تظنين أنه أنتِ ثانيًا. 

إذا كنتِ تأملين أن الجُهد النسوي في القرن العشرين سيستمع إلى تجربتك فربما سيصيبك الإحباط؛ فالكثير من النظريات النسويّة في معارك من أجل حقوق المرأة، المساواة في العمل وأمام القانون وفي الفضاء العام، ومن أجل ذلك عليها أن تقوم بتعميم فكرة المرأة، بالبرهنة على موضوعيّتها كمجموعة، كقُوى في المجتمع، كندّ لجماعة الرجل. عندما يأتي الأمر للأمومة، تظهر تناقضات النسوية الغربيّة لأنها لا تستمع إلى الخبرات الفرديّة، وإذا حدث واستمعتْ فإنها تنقدها بدعوى أنها إما تفصل بين خبرة الأمومة والمجتمع بمؤسساته، أو تفصل داخل الأمومة بين الذات والآخر، أو لأنها فشلت في كل الأحوال في سرد الخبرة الذاتية التي يمكنها أن تدعم هذا الخطاب النسوي أو ذاكستجدين أكثر الحركات النسويّة راديكاليّة تدافع عن حقوقك في أخْذ إجازة وضع بمرتب، في تقليل ساعات العمل أثناء الرضاعة، في الاعتراض على تقتير الدولة في دعم مؤسسات رعاية الأطفال أو عدم أخذ التأمين الصحيّ لاكتئاب ما بعد الولادة بجديّة. قد تفتح الحركات النسويّة ملفات مسكوتًا عنها، مثل حقوق الأم بدون زوج، أو الأم المثليّة ولكن في كل تلك الانتصارات، معركة الخطابات النسويّة في معظمها مع المؤسسات، كأن الأمومة خبرة مُغلقة على نفسها داخل جماعة النساء في معركتها مع الذكورة دون الحفر داخل هذه  الخبرة “المختلفة”  والتي يمكن أن تُغيّر وعي المرأة والرجل معًا. إلى أن تنتبه النظريّات النسويّة إلى العنف والغضب والإحباط داخل الأمومة، عليكِ أن تسردي تجربتك أو تأنسي إلى السرد الذي يساعدك على إدراك أنك لستِ وحدَكِ.

كان ابني في الرابعة من عمره عندما سألني: ما هو المكان الذي زرناه أمس؟حاولتُ أن أتذكر، ولما اكتشفت أننا لم نذهب إلا إلى الحضانة والحديقة في الأيام الماضية، فكرتُ في الأسبوع السابق: ذهبنا إلى طبيبة يوسف. نظر إليّ وقد نفذ صبره: لا، لا، أمس. ظننتُ أن سوء التفاهم لا يدور حول مكان بل حول الزمن؛ ربما أمس بالنسبة له هو الشهر الماضي مثلًا. فشلتْ محاولاتي في الوصول إلى إجابة. بعد جهدٍ، اكتشفتُ أنني كنتُ ببساطة معه في الحلم؛ أنه عندما يحلُم، وأكون معه في الحلم، فأنا فعلًا كنتُ معه ومن الطبيعي أن أتذكر ما حدث لنا هناك.

في الاستئناس بالسّرد

في رواية ج. م. كوتزي “إليزابيث كوستيلّو”، يرفض جان ابن الكاتبة الشهيرة إليزابيث كوستيلّو أن يقرأ ما تكتبه أمه، هو لن يقوم بذلك إلا عندما يصبح في الثالثة والثلاثين من عمره؛“ذلك كان ردّ فعله تجاهها، انتقامه من بابها الموصود في وجهه. لقد أنكرتْه، لذا فقد أنكرها. أو ربما أنه رفض أن يقرأها من أجل أن يحمي نفسه”. كيف أنكرتْ كوستيلّو أطفالها ولماذا؟ يقدّم لنا السرد شظايا متناثرة عن أداء كوستيلّو كأمّ؛ فعلى قدر ما يستطيع جان أن يتذكر “كانت أمه تعزل نفسها في الصباحات من أجل الكتابة. كان من المستحيل اقتحام عزلتها تحت أي ظرف من الظروف. لقد اعتاد أن يفكر في نفسه كطفل سيئ الحظ، وحيد، وغير محبوب”. نحن نرى أمومة كوستيلّو من وجهة نظر ابنها، هي لن تتحدث عن ذلك طوال الرواية، إنها تتحدث فقط عن كتابتها وبعض المواضيع الكبرى مثل الواقعيّة ومعاملة الحيوانات. يمكننا أن نتخيّلها أمًّا شابة تعاني في تقسيم وقتها بين عملها وطفليْن، أنها تشعر بالذنب أحيانًا لأنها لا تقضي الوقت الكافي معهما. يمكننا أن نتخيّل أمًّا متعكرة المزاج في ساعات الصباح وليس لديها طاقة للتعامل مع العالم فتوصد بابها في وجهه. ولكن تبدو كوستلّو أكثر تعقيدًا من ذلك، جان نفسه يتساءل عن حقيقتها التي لا يعرفها، بينما في عمق ذاته هو لا يريد أن يعرف. لو كان بمقدوره أن يتحدث لقال: “هذه المرأة التي تتعلقون بكلماتها كأنها عرّافة، هي نفس المرأة التي كانت تختبئ يومًا بعد يوم في مأواها في هامستيد، تبكي على حالها، تزحف مساء في الشوارع الضبابيّة لشراء السمك والبطاطس التي كانت تعيش عليها، تسقط في النوم بملابسها. إنها نفس المرأة التي اهتاجت كعاصفة بعد ذلك في المنزل بملبورن، شعر ها يطير في كل الاتجاهات، وهي تصرخ في أطفالها: "أنتم تقتلونني! أنتم تمزقون اللحم عن جسدي!””

أدريان ريتش ليست شخصيّة روائيّة مثل إليزابيث كوستيلّو؛ لكنها كاتبة وأم أيضًا. كتبتْ ريتش في يوميّاتها في مايو ١٩٦٥”أن تعاني مع ومن أجل وضد طفل _ أموميًّا، ذاتيًّا، عصبيًّا، أحيانا مع شعور بالعجز، وأحيانا مع وهم تعلُّم الحكمة ــــــ ولكن دائمًا، في كل مكان، في الجسد والروح، أنت مع هذا الطفل ـــــ لأن ذلك الطفل هو جزء من نفسك”.

يمكننا أن نتخيّل أن ريتش بشكل ما هي كوستيلّو في إحدى لحظاتها. فرغم أن طفلها هو جزء منها إلا أن هناك لحظة تعجز فيها عن الخروج من كونها امرأة لديها مشروعها الخاصّ الذي يسبق كونها أمًّا بخطوة، أن هويّتها تكوّنت من خلال الكتابة، مثلما تتكوّن هويّة أفراد آخرين من خلال ما يريدون أن يساهموا به في هذا العالم. أن تكوني كاتبة وأماً، هو أمر لا ينطوي في حد ذاته على أيّ تعارُض ظاهر، ولكن ريتش تتحدث في أماكن متفرقة من كتابها عن إحباطها لأنها لا تستطيع  أن تجد وقتًا لنفسها، عن نوبات الغضب والبكاء، عن طفلها الذي يرفض أن تكون آخر بالنسبة له فهو يترك ما في يده ويقفز على الآلة الكاتبة بمجرد جلوسها للعمل. أظن أنها تمنت أحيانًا من طفلها الذي هو جزءٌ منها أن ينفصل عنها بعض الوقت، أن يصدق أن من حقها أن تذهب وحيدة لمقابلة نفسها. ريتش مثل كوستيلّو تواجه هذا التجاور بين هويتها ككاتبة وهويّتها كأم:“من وقتٍ لآخر يسألني أحدهم: ‘ألم تكتبي أبدًا قصائدَ عن أطفالك؟’. لقد كتب الشعراء من جيلي قصائدَ عن أطفالهم ـــــ عن بناتهم خصوصًا. بالنسبة لي، الشعر يوجد حيث لا أكون أمًّا لأحد، حيث أوجد كنفسي”.

إنه ليس مجرد تجاور بين مكوّنين داخل هويّة الأم الكاتبة أو الكاتبة الأم، إنه تمزّق، صراع على الوقت والطاقة، عندما تنجح الكاتبة في أن تكون أمًّا ليوم ستشعر بالفشل تجاه ما لم تنجزه من قراءة أو كتابة، عندما يكون لديها يوم لنفسها ستتألم من أنانيّتها. عندما تستطيع في يوم ثالث أن تكتب بينما يجلس طفلها على ركبيتيْها، وأن تلعب معه لعبة الاستغماية بينما تفكّر في تغيير كلمة في قصيدة، لا توجد ضمانة أنها لن تشعر بالذنب أو الفشل في فِعل ذلك. أيضًا، لا توجد ضمانة أن طفلها سيقرأ ما كتبته يومًا أو أنه لن يكون غاضبًا مثل جان ابن إليزابيث كوستيلّو.  

وأنت تلدين تذكّري أنك لستِ بيْضة، سوير نفسها تعرف ذلك، قد تشعري لأيام أو ساعات، أنكِ تحت رحمة “رحم” مُحاط بأعضاء أخرى، ولكنه محاطٌ أيضًا بوجود وبتاريخ سابق للحمْل. صحيح أن الولادة هي تلك اللحظة التي ستشقكِ إلى نصفين. ولكنّ أليْس بحياة كلّ منّا كسْر ما، شرخ، كما يقول سكوت فيتزجيرالد؟ أليس هذا الشرخ هو هويّتنا التي نتحرك بها في العالم؟ الولادة هي عتبة في رحلة، إنها المجاز الذي يقوم به الجسد لكي يعي ذاته. أدريان ريتش تقصّدتها من أجل ذلك: “كنتُ أحاول أن ألدَ نفسي، وبشكلٍ ما كنتُ مصممة أن أقوم بذلك عبر الحمل والأمومة”. كأن الشاعرتيْن أنّا سوير و أدريان ريتش ـ كل بطريقتها ـ تريد أن تقول: أنا لديّ وعي بتصدّعي الذي أعيش معه من قبل الولادة، أنا هشّة، وإعطاء هذه الدّمية الحياة وانفصالها عني شرخ جديد في وعيي، أنا لم ألِد هذه الدّمية للتوّ وحسب، بل عليّ من أجلها أن ألِدَ نفسي أيضًا، ولادة شخصيّة، تجذّر شروخ ذاتي السابقة أو تساعدها على الالتئام. 


على سبيل الخاتمة: قصيدة  “مراد”

- I don’t want to die, mama.
- لن تموتَ الآن، أنت أربع سنوات فقط يا حبيبي.

- I don’t want to get old, then die, mama.
- ربما ستكون وقتها مستعدًا يا حبيبي.

- But why do we die, mama?
- ربما لأننا، أقصد... ربما لأننا أكبرُ من الحياة يا حبيبي.

-Tell God that Mourad doesn’t want to die, mama.
- ولكنني لستُ على اتصالٍٍ به يا حبيبي.



نُشِرَت هذه المقالة في العدد الثاني من مجلة مخزن، سبتمبر ٢٠١٥.
http://www.makhzin.org/issues/feminisms/maternity-and-violence


सबद


सबद पुस्तिका - 8 - ईमान मर्सल की कविताएं




30 नवंबर 1966 को जन्मी ईमान मर्सल अरबी की सर्वश्रेष्ठ युवा कवियों में से एक मानी जाती हैं। अरबी में उनके चार कविता संग्रह प्रकाशित हो चुके हैं और चुनी हुई कविताओं का एक संग्रह, ख़ालेद मत्तावा के अनुवाद में, 'दीज़ आर नॉट ऑरेंजेस, माय लव' शीर्षक से 2008 में शीप मेडो प्रेस से अंग्रेज़ी में प्रकाशित हुआ। अरबी साहित्य में उच्च शिक्षा प्राप्त करने के बाद ईमान ने बरसों काहिरा में साहित्यिक-सांस्कृतिक पत्रिकाओं का संपादन किया। 1998 में वह अमेरिका चली गईं और फिर कनाडा। अंग्रेज़ी के अलावा फ्रेंच, जर्मन, इतालवी, हिब्रू, स्पैनिश और डच में उनकी कविताओं का अनुवाद हो चुका है। उन्होंने दुनिया-भर में साहित्यिक समारोहों में शिरकत की है और कविता-पाठ किया है। वह एडमॉन्टन, कनाडा में रहती हैं और अलबर्टा यूनिवर्सिटी में अरबी साहित्य पढ़ाती हैं।

ईमान बर्लिन-प्रवास पर हैं और इन दिनों अपने नए संग्रह पर काम कर रही हैं, जो पहले अरबी, फिर अंग्रेज़ी में प्रकाशित होगा।

यह सबद-पुस्तिका आज उनके जन्मदिन पर प्रकाशित हो रही है। हिंदी व भारतीय भाषाओं में यह ईमान की पहली पुस्तकाकार प्रस्तुति है। अंग्रेज़ी में उपलब्ध संग्रह की कविताओं के अलावा, इसमें उनकी वे कविताएं भी शामिल हैं, जिनका अभी तक अंग्रेज़ी या अरबी में भी प्रकाशन नहीं हुआ है। जिनके नीचे अंग्रेज़ी अनुवादकों का अलग से जि़क्र है, उनके अलावा शेष सारी कविताएं ख़ालेद मत्तावा के अंग्रेज़ी अनुवादों पर आधारित हैं।

सबद के लिए यह अनुवाद कवि-कथाकार गीत चतुर्वेदी ने किए हैं. इस, आठवीं सबद-पुस्तिका को नीचे एम्‍बेड चित्र पर क्लिक करके भी पढ़ सकते हैं.




कुछ पुर्जियां, कुछ चिंदियां 
- ईमान मर्सल


'लिखे हुए' को 'सुनाना'

कोई कवि आखि़र श्रोताओं के सामने कविता पढ़ता ही क्यों है?

अरब श्रोताओं के सामने कविता पढऩे का आखि़री मौक़ा मुझे 1995 में मिला था। बेशक, हर कविता-पाठ के अपने ख़ास तनाव होते हैं और मैं कह सकती हूं कि वह कविता-पाठ मेरे जीवन का सबसे समृद्ध और गहन पाठ था। मैंने काहिरा के ऑपेरा हाउस में अल-हनागर हॉल में कविताएं पढ़ी थीं। उस सुबह मैं बहुत हिचकिचाई थी कि मुझे कविता पढऩे जाना चाहिए या नहीं, क्योंकि मैं बड़ी शिद्दत से महसूस करती हूं कि कविताएं - या जो भी कुछ मैं लिखती हूं- उन्हें श्रोताओं के सामने सस्वर नहीं पढऩा चाहिए क्योंकि वे उस मक़सद से लिखी भी नहीं जातीं।

यूरोप और अमेरिका के बाद के कविता-पाठ ज़रा जटिल रहे। पहला मुद्दा तो यही कि ऐसी कविताएं पढऩा, जो श्रोताओं को सुनाने के लिए न लिखी गई हों, दूसरा मुद्दा यह कि पश्चिमी श्रोता आखि़र अरब कविता से क्या सुनने की उम्मीद करते हैं। यह एक अपरिहार्य प्रश्न है और तब ज़्यादा महत्वपूर्ण, जब ख़ुद श्रोता ही यह सवाल पूछ लें। भले बीते बरसों के घटनाक्रम और राजनीतिक कारणों से लगभग हर अरब व्यक्ति पश्चिमी हवाई अड्डों पर पहुंचते ही आत्मचेतस और सजग हो जाया करे, कविता-पाठ के दौरान की गई उम्मीदों का सीधा संबंध उस अरबी कविता की उस छवि से है, जो पश्चिम ने अरबी साहित्य की नवीनताओं के बारे में जानकारी के अभाव के कारण बना रखी है।

साधारणतया, अनुवाद ने इस्लामिक काव्य-परंपरा की सहायता की है, उसमें भी ख़ासकर सूफ़ी काव्य की। और आधुनिक कविता को इसका नक़सान भी उठाना पड़ा है। अदूनिस, महमूद दरवेश, सादी यूसुफ़ जैसे कुछ जाने-माने कवि भी हैं, जिनकी कविताएं एक निर्वात से बाहर निकलती है, जैसा कि उन्हें प्रस्तुत भी इसी तरह किया जाता है, और कविता के साथ उनका संबंध प्रमुखतया राजनीतिक संबंध होता है, साहित्यिक व सांस्कृतिक परंपरा में उनके योगदान के बारे में कोई ख़ास जानकारी नहीं दी जाती। जबकि इधर हुए कई कविता आंदोलन इन कवियों को पूरी तरह नज़रअंदाज़ कर चुके हैं।


मैं दहलीज़ पर बैठ लिखती हूं

कुछ कवियों को निर्वासन मिलता है, कई विस्थापित हो जाते हैं, लेकिन कई ऐसे कवि होते हैं, जो बिना घर-बार, देश-दुआर छोड़े ही एलियनेशन, विस्थापन या तमाम राजनीतिक संघर्ष झेल लेते हैं। इसीलिए मैं निर्वासन शब्द का इस्तेमाल करने से बचती हूं क्योंकि इस शब्द के सारे अर्थ समझे बिना इसका ग़लत इस्तेमाल धड़ल्ले से किया जाता है। मेरे लिए 'रेक्वीअम' में अन्ना आख़्मातोवा का निर्वासन, चेस्वाव मिवोश द्वारा 'नेटिव रेल्म' में झेले निर्वासन से कहीं भी अलग नहीं है।

मैं अपने संदर्भ में निर्वासन की जगह विस्थापन शब्द का प्रयोग करती हूं, क्योंकि मुझ पर इजिप्त छोडऩे का कोई दबाव ही नहीं था। बोस्टन, और उसके बाद कनाडा के एडमॉन्टन के अपने शुरुआती दिनों में मैं भी उन्हीं सब चीज़ों से गुज़री, जिनसे विस्थापित लोग गुज़रते हैं- नॉस्टैल्जिया, घर की याद, क्रोध, दो स्थानों की तुलना। मुझे सर्रियल या अतियथार्थवादी कि़स्म के स्वप्न भी आते थे, जिनमें मैं शहरों, लोगों, भाषाओं सबको आपस में जोड़ दिया करती थी। इस पूरे दौर में कविता लिखने के प्रति कोई मोह भी नहीं था। पांच साल तक तो मैंने एक भी कविता नहीं लिखी।

आज जब मैं मुड़कर देखती हूं, तो पाती हूं कि शायद ये सारी अनुभूतियां मेरे लिए इतनी आकर्षक नहीं थीं कि मेरे भीतर लिखने की इच्छा का वांछित स्पेस बना दें। इजिप्त छोडऩे से पहले ही मेरी कविताओं के बारे में यह कहा जाता था कि ये भावुक होने को हर संभव टालने की कोशिश करती हैं।

मैं विस्थापित लेखकों की ढेरों किताबें पढ़ती थी (यह कोई मुश्किल काम न था क्योंकि उत्तरी अमेरिका की दुकानें ऐसे लेखकों की किताबों से भरी हुई हैं), लेकिन मैं उनमें से कइयों से कनेक्ट ही नहीं हो पाती थी। इन लेखकों से अक्सर दो संस्कृतियों के बीच पुल होने की उम्मीद की जाती है, या कम से कम वर्तमान और अतीत के बीच। उत्तर-औपनिवेशिक अध्ययन में इस तरह की चीज़ें काम की हो सकती हैं, लेकिन मुझे लगा कि अनुभवों की मेरी भूमि कहीं और है।

2003 में जब मैं इजिप्त में एक साल के लिए रहने गई, तब चीज़ें मेरे सामने खुलने लगीं। तब मुझे पहली बार यह अनुभूति हुई कि घर-वापसी नामुमकिन होती है। कनाडा लौटते ही मैंने 'ऑल्टरनटिव जिऑग्रफी की कविताएं लिखनी शुरू कर दीं।

जब मैंने पहली इजिप्त छोड़ा था, तब मेरी एक वृद्ध रिश्तेदार ने मुझसे कहा था, 'एक ख़ुशनुमा दहलीज़ पर रहना।' यह पूरी तरह एक मिस्री अभिव्यक्ति है, जिसका अंग्रेज़ी या दूसरी भाषा में ठीक उतना ही असरदार अनुवाद नहीं हो सकता। मेरे सबसे अहम यह था कि मैं एक दहलीज़ तलाश सकूं, वह ख़ुशनुमा हो या उदास हो, यह अलग मुद्दा है, दहलीज़ चाहिए थी। यही वह जगह है, जहां से मैं लिख सकती हूं।

इजिप्त में वह एक साल गुज़ारने के पहले, मेरे अनुभवकोश में बहुत कुछ था, जिनके बरक्स मैं अपने ताज़ा अनुभवों को खड़ा कर सकती थी, लेकिन उस बरस वहां पूरा समय रहने के बाद मैंने पाया कि वे सारे अनुभव तो छिन्न-भिन्न हो चुके हैं, सबकुछ बदल गया है। ठीक उसी समय मैं उस रेखा पर जाकर फंस गई, जो दो जगहों के बीच होती है।


कवि जहां से देखता है, दरअसल, वह वहीं रहता है

आपके टिकने की जगह या 'पोजीशन' का सवाल, लेखन में अत्यंत महत्वपूर्ण भूमिका अदा करता है। फ़र्ज़ कीजिए, हम पांच कवियों को एक गुलाब या एक लाश देते हैं और उस पर लिखने के लिए कहते हैं। जिस 'पोजीशन' से वे उस पर लिखेंगे, वही 'पोजीशन' उन्हें एक-दूसरे से अलग करेगी। कुछ लोग इसे 'एक लेखक द्वारा अपनी आवाज़ पा लेना' कहते हैं। अपनी पोजीशन पाने में बहुत समय लगता है और मेरा मानना है कि लेखन में यही बुनियादी चुनौती भी है। एक बार आपने अपनी पोजीशन पा ली, लेखन अपने आप खुलने लगता है, हालांकि उस समय नई चुनौतियां खड़ी हो जाती हैं। मेरी कविताओं के मामले में बेचैनी यही थी कि इस दहलीज़ वाली पोजीशन से अरबी भाषा में कविता कैसे लिखी जाए।

आज मैं इस पूरी यात्रा का वर्णन कर पा रही हूं, लेकिन उस समय तो मैं उस बेचैनी को साधारण तौर पर निराशा ही मान लेती थी।

कविता ख़ुद ही एक राजनीतिक धारा है, अप्रत्यक्ष

कुछ लोग कविता को विरोध की आवाज़ कहते हैं। यह ऐसी बात है, जिससे मैं अपने अब तक के जीवन में जुड़ाव नहीं महसूस कर पाती। शायद ऐसा उस संस्कृति के कारण है, जहां से मैं आती हूं। औपनिवेशिक युग की समाप्ति के बाद बहुत बड़े राजनीतिक सवाल खड़े हुए थे, उन पर हद बौद्धिक-विचारधारात्मक बहसें चलीं, और उसके बाद अरब साहित्यिक पटल पर फ़लीस्तीनी त्रासदी ने बहुत बड़ी जगह घेर ली। उस दौर से महान कवि निकलकर आए, जैसे कि महमूद दरवेश, फिर भी मेरा मानना है कि उनकी कविता में काव्यशास्त्र का जो सुंदर प्रयोग है, वह प्रतिवाद या विरोध के इस तत्व से पूर्णत: स्वतंत्र है।

प्रामाणिक कला, अपनी शैक्षणिक भूमिका अदा करती हुई एक अप्रत्यक्ष राजनीतिक धारा हो सकती है।

जैसा कि बादू ने कहा है, कला शैक्षणिक होती है, क्योंकि यह सत्य का संधान करती है और शिक्षा भी इससे अलग कुछ नहीं करती : यानी ज्ञान की विभिन्न विधाओं का संयोजन इस तरह करना कि सत्य उसमें एक छोटा-सा छेद कर सके।
 
सौंदर्यशास्त्रों को तोडऩा, ऐतिहासिक विचारधाराओं को नकार देना

मैं उस पीढ़ी की कवि हूं, जिसने अरब साहित्य में गद्य कविताओं को हाशिए से उठकर केंद्र में आते हुए देखा है। हालांकि वह वजूद में तो पहले से ही थी। शब्दबंध के रूप में गद्य कविता और उसके आसपास चलने वाली बहसों को 1960 के बैरूत के साहित्यिक परिदृश्य में भी देखा जा सकता है। उस समय उस परिदृश्य में यूसुफ़ अल ख़ाल, अदूनिस और ऊंसी अल-हज्ज जैसे कवि सक्रिय थे। लेकिन निजी तौर पर मैं इराक़ी गद्य कविता से ज़्यादा प्रभावित हुई, ख़ासतौर पर सारगोन बूलोस और सालाह फ़ाइक से। इन कवियों को कोई भी अरब कविता समारोह या प्रकाशन संस्थाएं मान्यता नहीं देती थीं। हम उनकी कविताओं और अनुवादों की फोटोकॉपी कराकर आपस में बांटा करते थे।

उन कवियों को पढऩे से पहले मैं गद्य कविताओं से अच्छी तरह वाकि़फ़ थी, लेकिन उन कवियों को पढ़ते हुए यह पहली बार महसूस हुआ कि भावनात्मकता व विचारधारात्मकता के इस अभाव को, भाषा की इस पारदर्शिता को अरबी में भी पकड़ा जा सकता है। मेरी पीढ़ी के कवियों के लिए, मोरोक्को से लेकर इराक़ तक के कवियों के लिए, गद्य कविता कोई शैलीगत चुनाव नहीं थी। मैं नहीं मानती कि कोई भी लेखक अपनी शैली चुन सकता है। बल्कि, जब वे अपनी बात कहने के लिए रास्तों की तलाश कर रहे होते हैं, तब शैली उनके पास ख़ुद आ जाती है।

1990 के उन शुरुआती बरसों में, शहरी काहिरा के उस उजाड़ में मैं नाउम्मीद हो चुके युवा कवियों की जमात में शामिल थी, जो अपनी आंखों से इराक़ द्वारा कुवैत पर हमला देख रहे थे, इराक़ को तबाह कर देने के लिए अरब राष्ट्रों को अमेरिका का पिछलग्गू बना देख रहे थे, फ़लीस्तीनी आज़ादी की जद्दोजहद देख रहे थे, अन्याय और ग़रीबी देख रहे थे, वह पाखंड जो समाजों के चरित्र की रचना करता है, उसे वैश्विक पूंजीवाद और स्थानीय रूढिय़ों-परंपराओं के बीच चिंदी-चिंदी होता देख रहे थे। हम अरब राष्ट्रवाद, पश्चिमी लोकतंत्र, यहां तक कि नवजागरण तक को संदेह से देख रहे थे।

मेरी पीढ़ी के युवा कवि, फिल्मकार और बुद्धिजीवी, हम सब इस एलियनेशन को बहुत शिद्दत से महसूस कर रहे थे और इसी ने हमें इस इच्छा से भर दिया कि हम अरब संस्कृति के सौंदर्यशास्त्र और ऐतिहासिक विचारधाराओं से परे हट जाएं, कविता में तो खासकर। इस तरह गद्य कविता हमारे लिए मुख्यधारा के महा-आख्यानों का निषेध थी।

शायद यह हमें दुनियावी अनुभवों से मुठभेड़ करने की ज़्यादा इजाज़त देती थी। हम भले अपनी शैली या फॉर्म बहुत चैतन्य होकर न चुनें, भले किसी एक ख़ास स्कूल के लेखन में शामिल हो जाने की इच्छा चेतन न रहे, फिर भी हमें जो दिया गया है, जिन सबसे हम पहले से परिचित हैं, उन सबसे अलग हो जाने में इन सारी चीज़ों का बड़ा दबाव होता है।

मसलन युवा कवि के रूप में मैंने अपने पिता और मेरे बीच के जटिल संबंधों को पकडऩे की असफल कोशिशें की थीं, किसी समय मैं उनके भीतर के पितृसत्तात्मक, पुरुष-प्रधान पक्ष की तरफ़ जाती, तो कभी उनके भीतर के प्रेम और त्याग की तरफ़ फिसल आती। जब मैंने इन दोनों ही संदर्भों को नकार दिया और फिर से कोशिश की, तो एक तरह से यह मेरे अपने अस्तित्व के साथ एक जुआ खेलने की तरह था, मेरी भाषा, मेरे ज्ञान, मेरे अंधकार के साथ जुआ।

लेकिन इसमें आनंद भी है, उन चीज़ों को पकडऩे की कोशिश करना, जिनका कोई संदर्भ ही न हो। आपके चुने विषयों की गंभीरता का जैसा चित्रण दूसरों ने किया है, आप उसके खि़लाफ़ खड़े हो जाते हैं। आप न केवल कुछ रचने की क्रीड़ा और आनंद से भरे होते हैं, बल्कि चीज़ों और उनके इर्द-गिर्द फैले पूरे सौंदर्यशास्त्र के विखंडन, उन्हें तोड़-मरोड़ देने के, सुख को अनुभूत करते हैं।

* * *

30 कविताएं : ईमान मर्सल


मेरा नाम संगीतमय है

शायद जिस खिड़की के किनारे मैं बैठी थी
उसने पहले से ही कीर्तिकथा कह दी थी
मैंने अपनी नोटबुक पर लिखा :
ईमान...
स्कूल का नाम : ईमान मर्सल प्राथमिक विद्यालय
न तो टीचर की छड़ी और
न ही पिछली बेंचों से आने वाली हंसी ही रोक पाई मुझे
ऐसा करते रहने से

मैंने सोचा, अपनी गली का नाम मैं अपने नाम पर रख देती
अगर उस पर बने मकान थोड़ा चौड़े होते
और उनमें कुछ गुप्त कमरे बने होते
जहां मेरी सहेलियां अपने बिस्तर में लेट बिंदास सिगरेट फूंकतीं
और उनके बड़े भाई उन्हें कभी पकड़ भी न पाते

उनके दरवाज़े अगर नारंगी रंग से रंगे होते
आनंद के रंग की तरह
उनमें छोटे-छोटे छेद बने होते
ताकि कोर्ई भी अंदर रहने वाले बड़े परिवारों की ताक-झांक कर सकता
शायद तब हमारी गली में किसी को भी अकेलापन न महसूस होता

बड़े काम सिर्फ़
बड़े दिमाग़ के लोग सोचते हैं
मेरे नाम पर बनी गली के किनारे सफ़ेद पटरियों पर चलते रहगुज़र
इन शब्दों में जि़क्र करते मेरा
लेकिन सिर्फ़ छोटा-सा एक पुराना बैर था मेरा उस गली से -
उसके पत्थरों ने मेरे घुटनों पर गहरा निशान छोड़ा है-
बस इसी कारण मैंने तय किया कि गली इस लायक़ नहीं

मुझे ठीक-ठीक याद नहीं
कब मुझे यह पता चला कि
मेरा नाम इतना संगीतमय है कि एकदम उपयुक्त है
ऑटोग्राफ़ देने के लिए छंदबद्ध कविताओं के लिए
और उडऩे के लिए भी
उन दोस्तों के चेहरों के आगे जिनके नाम बहुत साधारण थे
जिन्हें यह नहीं पता कि एक संदिग्ध नाम होने के क्या फ़ायदे हैं
जो आपके चारों ओर संदेह का घेरा बना देता है
और जिसके कारण आपके भीतर कोई और बन जाने की इच्छा भर जाती है
ताकि जो कोई नया साथी मिले, वह पूछे :
क्या तुम ईसाई हो
या
कहीं तुम लेबनान से तो नहीं आई?

दुर्भाग्य से, इस बीच कुछ हो गया।
अब जब कोई मेरा नाम पुकारता है
मैं चकरा जाती हूं और चारों ओर देखने लगती हूं
एक स्त्री जिसका शरीर अब मेरे जैसा हो गया
और छाती ऐसी कि हर दिन हर सांस कर्कश-सी जान पड़े
उसका ऐसा नाम भी संभव है?

बेडरूम से बाथरूम जाते समय
अक्सर मैं ख़ुद को देखती हूं
सोचती हूं मेरा पेट व्हेल जितना बड़ा क्यों नहीं
ताकि जिन चीजों को मैं पचा नहीं पाती
उनसे अपना पिंड छुड़ा लूं

* * *


चीज़ें मेरे हाथ से छूट जाती हैं

एक दिन मैं उस घर के सामने से गुज़रूंगी
जो बरसों तक मेरा था
और यह नापने की कोशिश बिल्कुल नहीं करूंगी कि
वह मेरे दोस्तों के घर से कितना दूर है

वह मोटी विधवा अब मेरी पड़ोसन नहीं है
जिसका प्रेम से कातर रुदन जगा देता था मुझे आधी रात

मैं भ्रम में न पड़ूं इसलिए ख़ुद ही चीज़ों का आविष्कार कर लूंगी
अपने क़दम गिनूंगी
या अपना निचला होंठ चबाऊंगी उसके हल्के दर्द का स्वाद लेते हुए
या टिशू पेपर के एक पूरे पैकेट को फाड़ते हुए
अपनी उंगलियों को व्यस्त रखूंगी

पीड़ाओं से बचने के लिए
शॉर्टकट का सहारा न लूंगी
मैं मटरगश्तियों से ख़ुद को न रोकूंगी

मैं अपने दांतों को सिखा दूंगी
कि भीतर जो नफ़रत कूदती है
उसे कैसे चबा लिया जाए
और माफ़ कर दिया जाए उन ठंडे हाथों को
जिन्होंने मुझे उसकी तरफ़ धकेला,

मैं याद रखूंगी
कि बाथरूम की चमकीली सफ़ेदी को
अपने भीतर के अंधेरे से धुंधला न कर दूं

बेशक, चीज़ें मेरे हाथ से छूट जाती हैं
यह दीवार ही कौन-सा मेरे सपनों में प्रवेश पा लेती है
दृश्य के दुख-भरे प्रकाश से मैच करने के लिए
मैंने किसी रंग की कल्पना नहीं की

यह मकान बरसों तक मेरा घर था
यह कोई छात्रावास नहीं था
जिसके दरवाज़े के पीछे खूंटी पर मैं अपना लहंगा टांग दूं
या कामचलाऊ गोंद से पुरानी तस्वीरें चिपकाती रहूं

'लव इन द टाइम ऑफ़ कॉलरा'  से
चुन-चुन कर निकाले रूमानी वाक्य
अब इतना गड्ड-मड्ड हो गए होंगे
कि उन्हें साथ रखने पर वे बहुत हास्यास्पद लगेंगे

* * *


थक्का
(पिता के लिए लिखी कविता सीरिज़ से नौ कविताएं)

1
सोते हुए

वे अपने होंठ कुतर रहे
उस क्रोध को दबाते हुए जिसे वह याद नहीं कर सकते
बहुत गहरे सो रहे हैं
जिन हाथों ने उनके सिर को थाम रखा है
उनके कारण वे किसी सैनिक-से दिख रहे
आधी रात ट्रकों में ऊंघते हुए
जैसे कि उन्होंने आंखें मूंद ली हो
दृश्यों की इतनी भीड़ से,
अपनी रूहों को भंवर की तरह घूमने देते
जब तक कि वे फ़रिश्तों में न बदल जाएं.

2
ईसीजी

मुझे डॉक्टर बनना चाहिए था
ताकि मैं अपनी आंख से पढ़ सकूं ईसीजी
और तय कर सकूं कि
थक्का महज़ बादल होता है
जिसे अगर पर्याप्त गर्मी दी जाए
तो वह साधारण आंसुओं की तरह बरस पड़ेगा .
लेकिन मैं किसी काम की नहीं
और मेरे पिता
जो अपने बिस्तर पर सो नहीं पाते थे
इस चौड़े हॉल में स्ट्रेचर पर कितना डूबकर सो रहे.

3
चीख़

तुम तक जाता है जो गलियारा
वह ख़ामोश औरतों से भरा हुआ है
वे कंठ पर जमा ज़ंग को खुरचने की रस्म निभा रहीं
जब वे समवेत चीखेंगी
देखेंगी, कितनी दूर तक गई उनकी चीख़.

4
यह अच्छा है

तुमसे अगले बेड पर जो था
लोगों के कंधे उसे क़ब्रस्तान तक ले गए हैं

यह अच्छा है तुम्हारे लिए

एक ही कमरे में
एक ही रात
मौत दुबारा नहीं आ सकती.

5
पोर्ट्रेट

हर डग जो भरा था मैंने, उसकी लय पर धड़कता था उनका दिल
उन्हें अब हम सिर्फ़ एक परिचित, बुझी हुई
सुगंध की तरह याद करेंगे.
गर्मियों में मेरा शॉर्ट्स पहनना शायद उन्हें पसंद नहीं था
और मेरी कविताएं भी
जिनमें कोई छंद नहीं, संगीत नहीं.
लेकिन एक से ज़्यादा बार देखा था मैंने उन्हें
भौचक
हुल्लड़ मचाते मेरे दोस्त अपने पीछे जो धुआं छोड़ जाते
उसके बीच ख़ुशी के मारे लगभग ग़श खाया हुआ.

6
समानता

मैं पोएट्री इन ट्रांसलेशन*  ख़रीद सकूं इसके लिए
चिरनिद्रा में लीन इस शख्स ने मुझे यक़ीन दिला दिया था
कि उसकी शादी की अंगूठी अब उसकी उंगलियों में बहुत ज़्यादा कसने लगी है
जब हम जौहरी की दुकान से बाहर निकले
वह लगातार मुस्करा रहा था
इस बात पर भी, जब मैंने कहा
तुम्हारी नाक मेरी नाक से बिल्कुल नहीं मिलती.

(* विश्व कविता के अनुवाद की चर्चित पत्रिका, जो कि काफ़ी महंगी भी है।)

7
तुम्हारी मौत की ख़बर

मैं तुम्हारी मौत की ख़बर इस तरह सुनूंगी
जैसे मेरे साथ किया गया तुम्हारा आखि़री अन्याय.
मुझे सुकून नहीं मिलेगा जैसा कि मैंने सोचा होगा
और मैं यह यक़ीन कर लूंगी कि
तुमने मुझे उस फोड़े के इलाज का मौक़ा नहीं दिया
जो हम दोनों के बीच पनप गया था.
सुबह
मैं अपनी सूजी हुई पलकों पर अचरज करूंगी
इस बात पर भी कि
मेरे कंधे अब और झुक गए हैं.

8
तुमने हवास खो दिए

मैं अपने बाल पीछे बांध लेती हूं
उस लड़की जैसा दिखने की कोशिश करती हूं
जिसे एक समय तुम बहुत लाड़ करते थे.
बरसों, घर लौटने से पहले
मैं बीयर से धोती थी अपना मुंह.
तुम्हारी मौजूदगी में मैंने कभी ख़ुदा का जि़क्र तक न किया.
ऐसा कुछ नहीं तो तुम्हारी माफ़ी के क़ाबिल हो.
तुम बहुत दयालु हो, लेकिन निश्चित ही उस समय तुमने अपने हवास खो दिए होंगे
जब तुमने मुझे यह यक़ीन दिला दिया था
कि ये दुनिया एक गर्ल्‍स स्कूल की तरह है
और टीचर की लाडली बनी रहने के लिए
मुझे अपनी इच्छाओं को एक किनारे रखना होगा.

9
उदासीनता

सुन्न कर देने वाले झूठों से मैं अपने हाथ धोऊंगी
और उनकी आंखों के सामने ही उस मिट्टी को तपाऊंगी,
जिससे मैंने उनके सपनों का आकार बनाया था.
वह
अपनी छाती के बाईं ओर इशारा करेंगे
और मैं
नर्सों जैसी उदासीनता के साथ अपना सिर हिलाऊंगी.

कोमा ख़त्म होने से पहले ही
उन्हें यह महसूस कर लेना चाहिए
कि मरने की उनकी इच्छा
परिवार की दरारों को ढांप नहीं सकती.

* * *


जान पड़ता है, मैं मुर्दों की वारिस हूं

मां को दफ़नाकर जब मैं लौट रही थी
मेरा डग भरना बालिग हो चुका था
मैं उसे एक 'रहस्यमय' जगह छोड़ आई थी
जहां अब वह अपनी मुर्गि़यां पालेगी.

मुझे अपने घर को पड़ोसियों की ताकझांक से बचाना था.
मुझे आदत पड़ गई दहलीज़ पर बैठकर रेडियो सुनने की
मैं धारावाहिक की उस अभिनेत्री की
प्रतीक्षा करती थी जिसे हर कोई सताता था.

और जिस दिन मेरी सहेली को अपने शरीर की जांच कराने के लिए
दूसरे महाद्वीप का वीज़ा मिल गया -
वह मेरी टेबल पर अपनी सिगरेट छोड़ जाना भूल गई -
उस दिन मुझे विश्वास हो गया कि सिगरेट निहायत ज़रूरी चीज़ है.

तब से मेरे पास एक निजी दराज़ ज़रूर होता है
और एक गुप्त पुरुष भी
जो कि दरअसल उसका प्रेमी था.

और जब,
डॉक्टर नाकाम रहे एक ऐसी किडनी खोज पाने में
ओसामा का शरीर जिसे नकार न सके -
ओसामा
जिसकी किडनियां इसलिए घिस गई थीं कि
वह अपने भीतर की सारी कडवाहटों को दबा देता था
ताकि हमेशा मीठा दिखता रहे -

अब उसकी थम्स अप की भंगिमा का प्रयोग करना
शायद मैं शुरू कर दूं
ताकि बात करते समय हमेशा दृढ़ दिखूं

जान पड़ता है, मैं मुर्दों की वारिस हूं.
जिन सबसे मैं प्रेम करती हूं, उनकी मौत के बाद
एक रोज़
मैं एक कैफ़े में अकेले बैठूंगी
मुझे कहीं से नहीं लगेगा कि मैंने कुछ खो दिया है
क्योंकि मेरी देह एक विशाल टोकरी है
जहां ये सारे लोग अपनी-अपनी चीज़ें गिरा जाते हैं
वे चीज़ें
जिनमें उनके होने के निशान होते हैं.

* * *

मेरी मित्रता के लायक़

अपनी नाक ऊंची रखने के लिए
अफ़वाह फैलाते लोग,
चरस-गांजा के शौक़ीन और मनोविश्लेषण करने वाले,
सरकार के खि़लाफ़ आंदोलन करने वाले,
बेवफ़ाई की सैद्धांतिकी गढऩे वाले,
अपने पुरखों के नामों मे से अपने लिए
एक यादगार नाम खोजते रहने वाले,
अपने ही भीतर लगातार सुधार करने वाले,
कचरा जितने ईमानदार,
दूर से ही थोड़े निराशावादी
और दयालु, इसलिए कि दयालु हुए बिना कोई चारा ही नहीं

ये सारे लोग जो दिखने में मुझ जैसे हैं
और मेरी मित्रता के लायक़ हैं
ये सब जिन्हें तुमने मेरे लिए बनाया है
बहुतायत में हैं इस साल
मेरे ख़ुदा
अपने सारे तोहफ़े वापस ले जाओ
और नए-नए दुश्मन भेजते रहने का अपना वादा
कभी मत तोडऩा.

* * *

मार्क्‍स का सम्मान

चमचमाती हुई दुकानें
जहां नई-नई चड्ढियों की बहार आई है
उनके सामने खड़ी हो
मैं ख़ुद को रोक नहीं पाती
मार्क्‍स के बारे में सोचने से

जितने भी लोगों ने मुझसे प्रेम किया
उनके बीच एक चीज़ साझा थी-
वे सब मार्क्‍स का सम्मान करते थे
और मैंने उन सबको इजाज़त दी, किसी को कम किसी को ज़्यादा,
कपास की उस गुडिय़ा को नोंचने की
जो मेरी देह में छिपी है

मार्क्‍स
कार्ल मार्क्‍स
मैं उसे कभी माफ़ नहीं करूंगी.

* * *

माइग्रेन

मैं इस गहरे पुराने माइग्रेन का बयान इस तरह करना चाहती हूं
कि यह एक सबूत की तरह दिखे
इस बात का
कि मेरे विशाल मस्तिष्क में सारी रासायनिक क्रियाएं
भली-भांति चल रही हैं

मैं ऐसे करना चाहती थी शुरुआत :
'मेरी हथेलियां इतनी बड़ी नहीं हो पाईं कि मैं अपना सिर थाम सकूं'

लेकिन मैंने लिखा :
'जाने किस पिस्तौल से सरसराती निकलती है गोली
शांत अंधेरे को चीरती
कैसी तो हड़बड़ी
कोई दरार है
आपस में टकरा गए हैं बम के बेशुमार बेतुके छर्रे

और एक आनंद भी है:
बस, याद-भर कर लेने से कुछ पीड़ादायी जगहें
कैसे ताव में आ जाती हैं.'

* * *

अचूक ख़ुशियां

सोने से पहले
मैं फ़ोन को बिस्तर के पास खींच लाऊंगी
और बहुत सारी चीज़ों के बारे में उन लोगों से बातें करूंगी
यह तय करने के लिए कि वे सच में मौजूद हैं,
कि वीकेंड के लिए उनके पास अभी से योजनाएं हैं
इतने सुरक्षित हैं वे
कि बुढ़ापे से डरते हैं
और झूठ बोल लेते हैं

मैं यह तय करूंगी कि वे सच में मौजूद हैं
अपनी अचूक ख़ुशियों के भीतर
और यह भी कि
मैं अकेली हूं
और जब तक होती रहेंगी नई-नई नाराजगियां
तब तक सुबह होती रहेगी

* * *


रियायत

तुम्हें हर महीने तनख़्वाह मिलती है क्योंकि राज्य अभी वजूद में है
और जब तक तुम्हारी अवसाद भरी आंखों में सूरज हलचल करता रहेगा
क़ुदरती कूड़ों की तफ़्सील बयान करने के बहाने तुम्हें मिलते रहेंगे
इस तरह तुम ऐतिहासिक क्षणों में प्रवेश करती हो, उनके ज़ुराबों के ज़रिए

रियायतों से ख़बरदार रहो
मसलन, कूड़े को ही देखो
वह सूअरों को खाना प्रदान करता है,
और सच में, पिछले राष्ट्रपति के शासनकाल के बाद से तो
हर चीज़ में सुधार हुआ है,
इतना कि मुर्दों के शहर तक में अब
अंतर्राष्ट्रीय फ़ोन एजेंसियां लग गई हैं

निजी तौर पर मुझे किसी की आवाज़ नहीं चाहिए

रियायतों से ख़बरदार रहो
और भविष्य के बारे में तो बिल्कुल चिंता मत करो
तुम्हारे पास वह आज़ादी नहीं है जो मरने के लिए ज़रूरी होती है

* * *

कभी-कभी अक़्ल मुझ पर क़ब्ज़ा कर लेती है

रोशनी कितनी आत्ममुग्ध है
छत पर, कोनों में, टेबल पर फैली हुई.
प्रसन्नताओं ने सबको नींद के मुहाने पर खड़ा कर दिया है.
निस्संदेह यह मेरी आवाज़ नहीं है
कोई और गा रहा है
उस काले परदे के नीचे से जिस पर मैं सहारे के लिए झुकी हूं

नीचे देखूंगी तो पाऊंगी
कई कीड़े हैं जो दरवाज़े की ओर भाग रहे
और मेरी निर्वस्त्र देह पर चढ़ रहे
मैं कैसी दिख रही, इस पर बिल्कुल ध्यान न दूंगी
ताकि कोई और भी ध्यान न दे इस पर

पुरुष देश के भविष्य की चर्चा कर रहे
उनकी पत्नियां घर की मालकिन की मदद कर रहीं
बिल्लियां ताक रहीं जूठन का जश्न
और छत पर टंगी मकडिय़ां भी
कोई झमेला नहीं कर रहीं

जान पड़ता है इस परिवार के बच्चों को मैं पसंद आई
का$गज़ की एक कश्ती उन्हें देने के बाद
मैं यह नहीं समझा पाई
कि पानी से भरा तांबे का यह टब
कोई समंदर नहीं

'तभी गहरा सन्नाटा पसर जाता है'
अरब के ये बद्दू बंजारे बहुत पहले से जानते हैं यह बात
कि शब्द उड़ सकते हैं
और उन्हें दबाया नहीं जा सकता किसी वज़न से

और जाने क्या बात है कि
नए ख़ामोश श्रोताओं के आगे
अपनी पुरानी क्रांतियों की सफ़ाई देने के अलावा
मैंने क्रांतिकारियों को कुछ और बोलते नहीं सुना

पैग़ंबर अपनी विवशताओं से चुप हो जाते हैं
जैसे-जैसे वे उसके और क़रीब पहुंचते हैं
जिसने उन्हें भेजा है

दिक़्क़त यह नहीं कि उनका मुंह कैसे बंद किया जाए
बल्कि यह है कि जब कहने को कुछ नहीं होगा
वे अपने हाथ रखेंगे कहां

एक दिन अक़्ल मुझ पर क़ब्ज़ा कर लेगी
और मैं दावतों में जाना बंद कर दूंगी
अपनी आज़ादी का हल्ला बोल शुरू करूंगी तब
मैं तुम्हारे कानों की क़र्ज़दार नहीं रही अब

* * *

ख़ुशी

मैं उस स्ट्रेचर पर भरोसा करती हूं
जिसे दो लोग खींच रहे
मरीज़ के कोमा में इससे कुछ तो रुकावट पड़ती होगी.
इस दृश्य को जो भी देख रहे उनकी आंखों की हमदर्दी पर मुझे संदेह है.

मैं मछुआरे का सम्मान करती हूं
क्योंकि एक अकेला वही है जो मछली को समझता है.
मारे चिढ़ के उसका तराज़ू मैं छीन लेती हूं फिर.

मुझमें इतना सब्र नहीं कि मैं समंदर के बारे में सोचती बैठूं
जबकि मेरी उंगलियां पैलेट पर लगे रंगों में डूबी हुई हैं

जिस क्षण मैं जागती हूं
मेरी आत्मा का रंग काला होता है

पिछली रात के सपनों में से मुझे कुछ भी याद नहीं सिवाय इसके
कि एक इच्छा है कि
उस कड़ी के वस्तुनिष्ठ इतिहास को जान सकूं
जो असीम आनंद और अंधकार को जोड़ती है
जो जोड़ती है अंधकार और आतंक को
जो जोड़ती है आतंक और जागने पर काली आत्मा का सामना होने को

देखा जाए तो ख़ुशी
भाप से चलने वाले बेलचों में रहती है
जो किसी क्रेन से जुड़े होते हैं.
प्यार के लायक़ तो सिर्फ़ वही हैं.
उनकी जीभ उनसे आगे-आगे चलती है
वे पृथ्वी की स्मृतियों को खोदते हैं पूरी तटस्थता से
उलट-पुलट करते हैं.

* * *

राष्ट्र

इन सारे हृदयों, अंगों, जननेंद्रियों को एक सिर आदेश भेजता है बे-सिर सैनिकों की एक राष्ट्रीय सेना बनाने के लिए, एक ऐसी पीढ़ी जिसकी किसी की ज़रूरत नहीं, वह जन्म लेती है सार्वजनिक पुस्तकालयों को जला देने के लिए, पीछा करते हुए इस बीच उस भद्दे संगीत का जो लोकल रेडियो से गरज रहा है, जबकि राष्ट्र यह सुनिश्चित कर रहा कि सारे लोग अपने टैक्स सही समय पर चुका दें और तुरंत ही गूंजने लगते हैं राष्ट्रवादी गीत सार्वजनिक शौचालयों से सार्वजनिक चौराहों तक जहां विपक्ष के सम्माननीय सदस्य उन बैनरों के नीचे खड़े हैं जिन पर सामाजिक जागरूकता की नई संस्थाओं के शुभारंभ की घोषणाएं हैं, और इन सबके दौरान तुम खिड़की पर झुकी हुई झांक रही होती हो अंधकारमय गलियां, अपने नाख़ून चबाती हुई.

* * *



पागलख़ाने की खिड़कियां
(कविता सीरिज़ से पांच कविताएं)

1
नींद की स्मृति

अधसोई दादी एक अंधे कमरे में गा रही है
एक चमगादड़ खिड़की से टकरा जाती है और यथार्थ के ख़ुन के छींटे किसी पर नहीं पड़ते
शायद इसलिए कि खिड़कियां महज़ एक विचार होती हैं
दादी मां गाती है
और किसी दूसरे शहर से सिंदबाद प्रगट हो जाता है
और सिंड्रेला अपने पंजों पर चलती घर लौट आती है
और एक आलसी मुर्ग़ा इंद्रधनुष को देख बांग देता है
कोने में प्रेतात्माओं का ढेर लग जाता है
रुई से बने गद्दे पर सुरक्षा के पंख दमकने लगते हैं
और हम सो जाते हैं.
* * *
2
महीन रेखा

अधेड़ उम्र की एक औरत पागलों की तरह अपने प्रेमी की क़मीज़ें फाड़ती है
वह उन पर अपने आंसुओं को ख़ारिज करती है कैंचियों के ज़रिए, फिर नाख़ूनों से
फिर नाख़ूनों और दांतों के ज़रिए
मेरी कुंआरी बुआ ऐसे दृश्य पर रोया करती थी पिछली सदी में, जबकि मैं
ऊबकर उसके ख़त्म हो जाने का इंतज़ार करती थी,
मुझे रुला देते हैं अब ऐसे दृश्य.
कैंचियों, नाख़ूनों और दांतों से एक स्त्री
एक अनुपस्थित देह का पीछा करती है
उसे चबाकर, उसे निगलकर.
कुछ भी नहीं बदला है. नायिकाएं हमेशा दुख पाती हैं परदे पर,
लेकिन उत्तरी अमेरिका में आर्द्रता का स्तर हमेशा कम रहता है
सो, आंसू बहुत जल्दी सूख जाते हैं.
* * *
3
सेक्स

जिसे वे 'सेक्स' कहते हैं
एक ट्रैजेडी है.
संभव है कि मैंने अपना सिर आसमान तक उठाया होता तो कोई चांद मुझे चौंका देता.
या मुझे लगता है, किसी जंगल में जानवरों की तरह भटक रहे हैं मेरे सवाल.

बाहर
कारों की चमकती रोशनियों के सहारे पुल पार कर रहा है शहर.
इस तरह साबित किया जा सकता है कि दुनिया वजूद में है.

पूरी दुनिया ऐसा नाइटगाउन पहनती है जो घुटनों के ऊपर से कटा हुआ है
और पूरी रात यह दुनिया कभी समय नहीं देखती जैसे कि
वह किसी की प्रतीक्षा ही नहीं करती.
यह पुरानी ट्रैजेडी यहां ख़त्म हो जाएगी
और अगली खिड़की के पीछे शुरू हो जाएगी.
* * *
4
संपादकीय कक्ष

एक बार मैंने एक साहित्यिक पत्रिका के संपादक के रूप में काम किया
और पूरी दुनिया धूल से ढंकी एक पांडुलिपि में तब्दील हो गई.
चिट्ठियों के ढेर थे जिन पर देश की डाक-व्यवस्था के प्रति अटूट विश्वास के टिकट लगे थे.
और जहां तक मैंने सोचा था कि यह काम बड़ा उबाऊ होगा,
डाक-टिकटों को उखाड़कर निकालना सबसे मज़ेदार काम बन गया
उन पर उन कमबख़्त लेखकों की थूक सूख चुकी थी.
उस संपादकीय कक्ष में रोज़-रोज़ आना यानी
अपने आप को एक कोने में 'पार्क' कर देना
जैसे नमकीन पानी में अपना कॉन्टैक्ट लेंस संभालकर रखना.
मेरे पास सिर्फ अवसाद था जिससे मैं दूसरे लोगों का अवसाद माप सकती थी.
ज़ाहिर है, यह उस पत्रिका के लिए अनुकूल नहीं था जो एक समाजवादी भविष्य का स्वप्न देखती थी.
संपादकीय कक्ष में कोई बाल्कनी नहीं थी
लेकिन दराज़ें कैंचियों से भरी हुई थीं.
* * *
5
पितृत्व

भले मैं एक अनाथ कि़स्म के लेखन का स्वप्न भी नहीं देखती
वे लोग मुझे हंसा देते हैं
जो अपनी रचनाओं को अपने बच्चों की तरह मानते हैं.
वे सब मुझे हंसा देते हैं.
उन्हें अपनी रचनाओं को खाना खिलाना पड़ता होगा
और जैसे गड़रिया करता है बकरियों के झुंड की रखवाली,
उन्हें भी करना पड़ता होगा
ताकि वे उनका दूध दुह सकें
जब तक कि वे उन्हें अच्छी सरकारी नौकरियां न दिला दें.
* * *



कुछ गद्य कविताएं, नई कविताएं

यथार्थ के ख़ून के छींटे किसी पर नहीं पड़े

जब मैं भीतर घुसी, मेरे दादाजी कोने में खड़े अपनी कॉफ़ी उंड़ेल रहे थे. सामने की दीवार पर नसीर के नाक-नक़्श धुंधले पड़ रहे थे क्योंकि पुरानी छत ऐसी नहीं थी कि बारिश की बूंदों को रिसने से रोक सके. वह प्रतिभाशाली कारीगर जिसने वह रेखांकन किया था (हालांकि उसे कभी भी कृषि-सुधारों का लाभ नहीं मिल पाया), पिछले हफ़्ते किसी सरकार अस्पताल में मर गया. मेरे दादाजी ने मुझे एक गठरी दी. उसे खोला तो भीतर एक शिशु था, जो अभी भी मां के गर्भ के द्रव से गीला था. मैंने कहा, यह तो मेरा ही बेटा होना चाहिए. मैंने उसका नाम मुराद रख दिया. जो नाल हम दोनों को जोड़े रखती थी, मैंने वह काट दी ताकि उसका ख़ुद का एक वजूद हो. उसके पेट पर नाभि के आकार में उदासी का एक बीज बन गया. मैंने उसे लैपटॉप के बैग में रखा और अपनी टोयोटा कोरोला चलाते हुए रॉकीज़ तक गई. रास्ते भर में क़ुरान से यूसुफ़ वाला अध्याय सुनती रही. मैं लंबी दूरी के उन टैक्सी ड्राइवरों के बारे में सोचने लगी, जो यूसुफ़ वाले अध्याय को बहुत चाव से सुनते हैं. आखि़र सुनें भी क्यों न, उसमें सेक्स का सीन जो है. मैंने तय किया कि मैं ख़ून से पुती क़मीज़ों और घृणा के सौंदर्यशास्त्र पर एक लेख लिखूंगी.

पहाड़ बर्फ़ से ढंके हुए थे, और कुछ क़दम चलते ही धरती बीच से फट गई और उसमें से एक कॉफ़ी हाउस प्रकट हो गया. मैं एक बार इस कॉफ़ी हाउस में जा चुकी हूं. मेरी एक सहेली (जिसने एक कीड़े से शादी की थी और वह कीड़ा उसे खा गया था) और मैं, हम दोनों ही भूखे थे. एक झुका हुआ बूढ़ा हमारे लिए डबलरोटी और नमक ले आया. वह बूढ़ा अब इस कॉफ़ी हाउस में नहीं है, लेकिन उसकी विधवा आती है और मेरे उन तीन दोस्तों के बीच से गुज़र जाती है, जिन्हें अभी कुछ बरस पहले ही बड़ी सरकारी नौकरी मिली है और जो अब भी, उसी तरह, वही, बातें करते हैं, जैसी बरसों पहले किया करते थे. मुझे पता चला कि हमारा चौथा दोस्त अपने पिता की क़ब्रगाह में है और हमारा पांचवां दोस्त रोटरडम में एक चर्च के सामने तूतनखामन का मुखौटा पहनकर बैठता है और राहगीर उसकी टोपी में छुट्टे पैसे डाल जाते हैं. मेरे दोस्तों का ध्यान मेरी गठरी की तरफ़ गया और उन्होंने पूछा, 'यह तुमने कहां से पा लिया?' और तभी नज़दीक की एक झील से हमें लोरी-सोहर की आवाज़ें सुनाई देने लगीं. हमने वहां बच्चे के जन्म के जश्न में सुब्बू मनाया. जश्न, दावत और नाच के उन्माद के बीच मैंने देखा, अचानक वहां दादाजी पहुंच गए हैं, अपनी शॉल, छड़ी और दीवार पर बने नसीर का चेहरा लेकर (बारिश तब तक उस चेहरे को पूरी तरह धो नहीं पाई थी). उन्होंने मुझसे गठरी ले ली और वापस चले गए.

* * *

घरों की अवधारणा

मैंने सोने की दुकान में अपने कान की बालियां बेच दीं ताकि चांदी के बाज़ार से एक अंगूठी ख़रीद सकूं, और फिर मैंने उस अंगूठी को पुरानी स्याही और एक ख़ाली नोटबुक के बदले बेच दिया। यह सब उस घटना से पहले हुआ जब मैं उस ट्रेन की सीट पर अपने काग़ज़ात भूल आई जो मुझे घर पहुंचाने वाली थी। जब भी मैं किसी शहर में पहुंचती हूं, मुझे लगता है, मेरा घर किसी और ही शहर में है।

ओल्गा, जिसे मैंने ऊपर की कोई बात नहीं बताई थी, कहती है, 'कोई मकान उसी क्षण घर बन पाता है, जिस क्षण वह बिक रहा होता है। बग़ीचा कितना सुंदर है या कमरे कितने बड़े, खुले-खुले हैं, यह आपको तभी पता चलता है, जब आप उसे रियल एस्टेट एजेंट की निगाह से देखते हैं। आप अपने दुस्वप्नों को, ख़ास अपने लिए, उन्हीं छतों के नीचे रखते हैं, और जब आप छोड़कर जा रहे होते हैं, तब उन्हें एक या बहुत हुआ तो दो सूटकेस में भर ले जाते हैं।' अचानक ओल्गा ख़ामोश हो जाती है, फिर ऐसे मुस्कराती है, जैसे कोई महारानी अपनी प्रजा से मिलते समय, किचन में रखी कॉफ़ी मशीन और खिड़की के बीच डोलते हुए। खिड़की, जो फूलों के दृश्य पर खुलती है।

ओल्गा के पति ने रानी का यह दृश्य नहीं देखा है, शायद इसलिए वह अब भी यह सोचता है कि जब वह अंधा हो जाएगा, तब यह मकान उसका सबसे भरोसेमंद दोस्त होगा। इसके कोने-अँतरे उसके क़दमों को पहचानेंगे और इसकी सीढिय़ां बेहद उदारता से उसे अंधेरे में गिरने से बचा लेंगी।

मैं एक चाभी खोज रही हूं, जो हमेशा मेरे हैंडबैग की तलहटी में खो जाती है, ओल्गा और उसका पति मुझे देख नहीं पाते, जबकि असल में मैं घरों की अवधारणा से ही मुक्त होने का अभ्यास कर रही हूं।

ज़माने-भर की धूल अपनी उंगलियों पर चिपकाए हर बार जब तुम यहां लौटती हो, अपने साथ लाई हुई चीज़ों को तुम इसकी दराज़ों में जमा करती हो। फिर भी तुम नकार देती हो कि यह मकान कोलाहल का भविष्य है, जहां मरी हुई चीज़ें एक पल को उम्मीद के साथ सौदेबाज़ी करती जान पड़ती हैं। मकान ऐसी जगह हो, जिसकी ख़राब रोशनी पर तुम्हारा कभी ध्यान तक न जाए, जिसके दीवारों की दरारें इतनी चौड़ी हो जाएं कि एक दिन तुम उन दरारों को दरवाज़ा मान लो।

* * *

उत्सव

कहानी का धागा ज़मीन पर गिरा और खो गया, सो मैं घुटनों के बल झुकी, हाथों पर चलती हुई उसे खोजने लगी। वह देशभक्ति के नाम पर हो रहा उत्सव था और उस तरह चलते हुए मुझे सिर्फ़ जूते ही जूते दिख रहे थे।

एक बार, एक ट्रेन में, एक अफ़ग़ान औरत, जिसने कभी अफ़ग़ानिस्तान देखा तक नहीं था, उसने मुझसे कहा, 'जीतना संभव है।' क्या वह कोई भविष्यवाणी थी? मैं पूछना चाहती थी। लेकिन मेरी फ़ारसी नौसिखियों की किताबों की तरह थी और मुझे सुनते हुए वह मेरी ओर ऐसे देख रही थी, जैसे उस आलमारी से अपने लिए कपड़ा चुन रही हो जिसका मालिक आगजनी में जल मरा।

फ़र्ज़ कीजिए कि चौराहे पर मार तमाम जनता इकट्ठा हुई। फ़र्ज़ कीजिए कि 'जनता' कोई फूहड़ शब्द नहीं है और यह भी कि 'मार तमाम' जैसे मुहावरे का अर्थ सब जानते हैं। फिर ये सारे पुलिस के कुत्ते यहां क्या रहे हैं? उनके चेहरों पर किसने ये रंगबिरंगे मास्क लगा दिए? सबसे अहम बात तो यह, कि वह रेखा कहां है जो झंडियों और चड्ढियों को अलग करे, जो भजन और अभिशाप को अलग करे, ईश्वर और उसकी कृतियों को अलग करे-- वे कृतियां जो टैक्स भरती हैं और पृथ्वी पर चलती हैं?

उत्सव।  ऐसे कह रही, जैसे दुबारा यह शब्द कभी न कहूंगी। जैसे किसी ग्रीक शब्दकोश से निकला हुआ शब्द है, जिसमें स्पार्टा के विजेता सैनिक घर लौट रहे हों और उनके भालों और ढालों पर फ़ारसियों का ख़ून अभी भी गीला हो।

शायद कोई दर्द ही नहीं था, कोई भविष्यवाणी भी नहीं, कोई अफ़ग़ान महिला मेरे सामने दो घंटे नहीं बैठी रही थी। कई बार, महज़ अपने मनोरंजन के लिए, ईश्वर हमारी स्मृतियों को बहका देता है। इस समय जहां हूं मैं, जूतों ही जूतों के बीच इस जगह, इस जगह से कभी ठीक-ठीक मैं यह जान नहीं पाऊंगी कि किसने, किस पर जीत हासिल की।

(यह कविता रॉबिन क्रेसवेल के अरबी द्वारा किए गए अंग्रेज़ी अनुवाद पर आधारित)

* * *


फ़ैमिली फ़ोटो

तस्वीर में एक औरत और एक बच्ची हैं, दोनों पीले-मरियल लग रहे, तस्वीर कोई बहुत स्पष्ट नहीं है। औरत मुस्करा नहीं रही बिल्कुल (उसे यह नहीं पता कि ठीक सैंतालीस दिन बाद वह मर जाएगी)। लड़की भी मुस्करा नहीं रही (हालांकि उसे नहीं पता कि मृत्यु होती क्या चीज़ है)। औरत के होंठ और भवें उस लड़की जैसी हैं (लड़की की नाक उस पुरुष जैसी है जो सदा-सदा के लिए इस फ्रेम से बाहर ही रहेगा)। औरत का हाथ बच्ची के कंधे पर है और बच्ची ने अपना हाथ मुट्ठियों में बांध रखा है (ना, किसी क्रोध में नहीं, बल्कि उसने आधी बची टॉफ़ी वहां छिपा रखी है)। औरत की घड़ी चलती नहीं है, वह चौड़ी पट्टी वाली है (1974 में फैशन से बाहर), और लड़की का कपड़ा इजिप्त के कपास से नहीं बना है (नसीर, जो सुई से रॉकेट तक हर चीज़ बना लेता था, बरसों पहले मर चुका है)। जूते गाज़ा से आयात किए हैं (और जैसा कि आप जानते ही हैं, गाज़ा इन दिनों कोई आज़ाद जगह तो है नहीं)।

(यूसुफ़ राखा द्वारा किए अंग्रेज़ी अनुवाद पर आधारित)

* * *

बुराई

मैं सोचती थी कि दुनिया में बहुत सारी बुराइयां हैं
जबकि मैं अपने दोस्तों के बीच सबसे ज़्यादा उदार हूं
मैं जब भी किसी फूल को गुलदान में सजा देखती
उसकी पंखुड़ी को अपने अंगूठे और तर्जनी में फंसा मसले बिना रह नहीं पाती
ताकि जान सकूं कि यह प्लास्टिक का फूल नहीं है

धीरे-धीरे मुझे बुराइयों के अस्तित्व पर ही संदेह होने लगा है
ऐसा लगता है, सारा नुक़सान हो चुका होगा जब तक कि हमें यह अहसास होगा
जिन जीवों को हमने ख़ूनमख़ून कर दिया, वे असली थे।

(यूसुफ़ राखा द्वारा किए अंग्रेज़ी अनुवाद पर आधारित)

* * *

ऊपर एम्‍बेड कोड विंडो में डायरेक्‍ट पढ़ने के अलावा आप इस पुस्तिका को डाउनलोड भी कर सकते हैं. नीचे दिए गए लिंक पर क्लिक करें. 


35 comments: 
http://vatsanurag.blogspot.in/2012/11/sabadpustika8.html
Also
https://www.facebook.com/geetchaturvedi27

Tuesday, 9 June 2015

القريةُ والقارة. طارق إمام


طارق إمام















“يقولون إن مستعمرة من النمل كانت تأكل الجدران والطيور، يقولون إن أجدادهم تنقلوا ثلاث مرات في قرنين، يقولون إنهم ردموا مستنقعا وبنوا بيتا لله أولا وبيوتا للأموات ثانيا ثم أخيرا بيوتا للناجين من لعنة الكائنات الصغيرة”.


هكذا تنطلق إيمان مرسال هذه المرة، بلا مواربة وبدون تحفظ، من الذاكرة الجمعية، (حيث الوهم هو الحقيقة الوحيدة التي يمكن لفم الجماعة الهائل مضغها)، بسبيكتها الخرافاتية، وبتصورها غير المعقول عن العالم، حتى أنك تخمن أن خيط الحكاية المقموعة تحت جِلد الشعر لو امتد، فربما انفتحت أمامك “ماكوندو” جديدة.

هذه المرة، لا يذهب الماضي ليعري نفسه أمام الذات في أرض جديدة، مثلما فعلت القصيدة التي افتتحت بها مرسال مجموعتها السابقة مباشرة “جغرافيا بديلة”، (حيث تذهب مومياء لتعرض نفسها في الهجرة)، بل تذهب الذات لماضيها، طوعا، لتتأمل نجاتها التي لا تُصدق.


في “حتى أتخلى عن فكرة البيوت”، تؤسس الذات الشاعرة نصا “كتابيا” بامتياز، عبر جسر “القول”، ناهضةً بفعلها الفردي من داخل مؤسسة الشفاهة الجمعية.

هكذا ستستجيب الذات، في قصيدة التأسيس “لعنة الكائنات الصغيرة”، لما “قاله الآخرون”. ربما هي المرة الأولى التي تصغي فيها قصيدة مرسال للأسلاف على هذا النحو.. باحثة عن جدل ناعم، وقد أقصى خشونة الرغبة الاستباقية في الإنكار.

قصيدة مرسال، التي التفتت قبل ذلك بالكاد لجيل الآباء، تذهب هذه المرة لخبرة مفارقة للاختبار الحسي، لأسطورة سحيقة تُشكل اليومي (الذي لا يزال يوميا، كونه لم يتحول بعد لماضٍ).

في ذلك الجدل، تبدو الذات الشاعرة ذاهبة لتخليق “وهمها الفردي” على أنقاض “الوهم الموروث”، لتنفتح أمامنا “قرية الأسرار العظيمة” التي “ليس لديها بابٌ ليغلق”.

***

الوهم الفردي، لحسن الحظ، يتوفر على تقنيته: الفوتوغرافيا، ليشتبك مع تقنية تخليد الوهم الجمعي: الحكي.

في الفوتوغرافيا، يحيل الدال مباشرةً للمرجع، إنه تقويض هادئ للحكي، (لضلاله) إن جاز التعبير، حيث يمكن للدوال بالكاد أن تشير بالإصبع لمداليلها.

لكن الفوتوغرافيا، أيضا، تتفق ونزق الشعر في استبعاد السياق، أو إعادة اختراعه إن شئنا الدقة. الفوتوغرافيا، الحاضرة كأداة في “لعنة الكائنات الصغيرة”، لن تلبث أن تتحول إلى أفق.

الذات تُثبِّت ما “تراه”، لكي تكتبه في نهاية المطاف. إنها هنا المفارقة الكبيرة، بين طريقة تعاطي العالم بـ “تسجيله” أو “توثيقه” بغية العثور على طريقة لإعادة إنتاجه بتحريفه حد اختلاقه. أعتقد أنه في هذه المسافة بالذات تنهض شعرية هذه المجموعة، التي أرى فيها انزياحا ملموسا عن تجربة مرسال السابقة.

“عندما امتلكتُ أول كاميرا كنت أعيش بالفعل وحدي في مدينة/ كم حملتها إلى ميت عدلان كعيوني التي لا أرى الوجوه بدونها/ كثيرا ما انتظرت بتأهب صياد أن يتجمع بعضهم على كنبة، أن تجفف صاحبة بيت يديها/ أن يغير أحدهم جلبابا بجلباب أو أن يغلقوا التليفزيون لدقيقة/ أنا اليد الإلهية التي تثبت في الزيارات البعيدة ما لن يمكن استعادته/ لكم تمنيت أن تبدأ حرب أو حريق بينما البطارية ما زالت جديدة/ لأجلس في ذلك الخراب على ركبتي وألتقط صورا لمن تحت الأنقاض/ ثم أريها للناجين في زيارة قادمة/ حتى يفرحوا أنهم نجوا”.

إن هذا بالضبط، وكأن الذات تعري تقنيتها بالكشف عنها وفضحها في مستهل نصها، ما سيصير سمة أسلوبية في هذه المجموعة.

على وجه التقريب، لن تتحقق قصيدة إلا بانعكاس شرطها البصري على عين الكاميرا، (ومن ثم، على صفحة القصيدة). المشهدية الدقيقة تُختبر مرةً بعد أخرى في قدرتها على التقاط الشعري من الوصفي السلوكي. وبشكل ما، فإن من تقع عليهم الكاميرا، يشتركون جميعا في كونهم “ذوات تحت الأنقاض”.

“عين الحاضر” التي تستعيض بها حدقة الذات الشاعرة عن العين الملوثة بالنوستالجيا أو الإيديولوجيا حتى، هي أيضا، ربما، ما يجعل القصائد متوترة بلحظة المضارع كأن القصيدة تكتب الآن. العلامة هنا تحل محل الحاسة: أليست هذه هي الثقافة وهي تعيد قراءة الطبيعة؟

ثمة حضور مشع للتفاصيل المشهدية وولع بتجسيدها تشعر معه أنك أمام مشاهد تم تثبيتها في لقطات فوتوغرافية متتالية لاهثة، ثم النظر إليها تباعا للعثور على وهم الحركة، وهم التململ من ثبوتية الزمن الميت للقطة الثابتة ومن يُتمها في خلودها المُصفى من ملابساتها، (وهم عودة الماضي للانبعاث): “العازفة ما زالت مغمضة العينين، وجهها داكن كخشب البيانو الذي تركوها منذ نصف قرن تضغط على مفاتيحه، ولابد أنها كانت بيضاء كملاك عندما وضعوها هكذا في برواز كلاسيكي على الجدار”. إنها “لقطة” تحترف الذات التقاطها مرة تلو أخرى: “كم قميصك الذي خلعته للتو مطوي تحت فستاني الذي خلعته للتو وأصابعك الأخرى تحفر في سلسلة ظهري الآخر، نظاراتانا كانتا على صينية القهوة”.


لكن تجربة مرسال الجديدة تبدو شغوفة بالسردي أيضا، دون خوف مسبق “على الشعر” من تمدده. تتحرك القصائد بين هذين الحدين، كمن يمشي على الحبل.

أتصور إذن أن “حتى أتخلى عن فكرة البيوت” هو أشد تجارب مرسال اختباراً للسردي والمشهدي معا كمكونات شعرية. أقصد، كعناصر عضوية في الخطاب الشعري وليس كحلي مكملة له أو مستعارة من خارجه. سيتسق ذلك مع التقشف الاستعاري الذي يمكن أن نلمحه هنا (مقارنةً بممر معتم والمشي أطول وقت ممكن مثلا)، وسيمثل خطوة أبعد فيما بدأته مرسال في “جغرافيا بديلة”.

سيتسق ذلك أيضا مع الحضور الواضح للقصائد المصفوفة طباعيا دون التقطيع المألوف للسطور الشعرية وطريقة توزيعها على الصفحة، وهو الشكل الذي يمثل أحد الآفاق الأولية لقارئ الشعر.

***

الشعر “كسؤال” داخل الشعر “كخطاب”، سؤال آخر.

يبدو الشعر هنا طموحاً لإعادة تعريف نفسه، أو التساؤل عن ماهيته نفسها إن جاز التعبير. إنه يذهب، مرةً بعد أخرى لأشكال تعبيرية ذات شروط مفارقة، مجربا نفسه في آفاقها.

في قصيدة مثل “CV” تستعير الذات قالبا اتصاليا مبذولا، لتُحوِّله إلى أفق استعاري مفرغة القالب العملي الغائي من جوهره. إنها كما لو كانت تفكك الأكليشيه بإعادة صياغته كموضوع شعري.

ولو تعاملنا مع قصيدة مثل “إيميل من أسامة الدناصوري” حسب الدلالة الحرفية لعنوانها، فإننا سنجد أنفسنا مبدئيا أمام “نص شخص آخر”، والأدهى أنه ليس بالنص الشعري، يُقدم باعتباره نص إيمان مرسال، وبصفته قصيدة.

ثمة مخاطرة كبرى أخرى بالشعر في هذا النص، فبإجراء “شكلاني” أعاد توزيع السطور على الصفحة، يصير من الجائز تغيير أفق التلقي أو إزاحته من قراءة “إيميل” لقراءة “قصيدة”. الذات في هذه القصيدة لا تتدخل على الإطلاق، أو هكذا توهمنا. إن فعلها الرئيسي هنا هو “القراءة/التلقي وليس الكتابة/الإنتاج. إنه نص شخص آخر، سواء كان ذلك حقيقيا أو حتى كخدعة شعرية تصل بالإيهام إلى أقصى حدوده.

بينما يحاكي نص مثل “مقالة عن ألعاب الطفولة” اللغة الوصفية العارية المجردة، ليتعالق عضويا بالفعل مناخ “النوع المستعار”: “كثيرٌ من ألعاب الطفولة يقوم على فقد حاسة من الحواس الأساسية، فمثلا لعبة الحجلة تتطلب من اللاعب الماهر أن ينط من مربع لآخر بقدم واحدة بينما الأخرى مُعطلة في الهواء، كأنها قُطعت منذ زمن كاف ليتدرب على القفز بدونها”.

يكرر نص مثل “المرشد الأمين للبنات والبنين بعد سن الأربعين” اللعبة نفسها، حيث يتخلق الشعري من هيمنة ظاهرية للأفق “التعليمي” أو “الإرشادي” المجافي للشعر بداهة: “بعد الأربعين يعد الرجل الشعرات المعلقة بالمشط في الصباح وتنزع المرأة الشعرات البيضاء قبل الذهاب للنوم.

وفي اتجاه آخر، يتمثل نص “حكاية المرأة المكتئبة والضيف الجشع” البنية العميقة للأمثولة، وتستعير الذات الشاعرة نفسها موقع الراوي “الأقرب لأدبيات الشفاهة، والذي يتحدث مباشرة إلى مستمعيه”: “بالطبع أنا لا أحكي لكم ما حدث من أجل نتيجة سخيفة من قبيل أن تتعاطفوا مع المخبولة أو الضيف الجشع”.

كذلك يحاكي نص “هدية ماما في عيد ميلادك السابع” تلك الخطابات المنزلية النمطية المحتشدة بتعليمات “تربوية”: “هذه هي التعليمات:/ 1ـ افرد المفرش على أرض مستوية/ 2ـ ثبت النظارة حول عينيك…”.

أشكال تعبيرية غير شعرية، فضلا عن كون بعضها غير فني بالأساس، تذهب إليها مرسال هنا باجتراء غير محدود، محاولة فيما يبدو التفتيش عن الشعري في أشد الاختبارات رعونة.


***

بيوت لله، ثم بيوت للأموات، وأخيراً بيوت الناجين.. هل تتسق هذه الآفاق الثلاثة لـ”فكرة البيت”، مع الآفاق الثلاثة التي توزعت عليها القصائد؟

بين المسجد والمقبرة، كعلامتين مكانيتين متصلتين بالميتافيزيقا، لن تكون بيوت الناجين (المتصلة فقط بالبعد الأرضي، دون سماء من أي نوع) أكثر من أماكن عابرة، تتواطأ الذوات عبرها لبعض الوقت.

ثمة “مؤمنون” كثر تجسدهم ذوات هذه المجموعة، وثمة أموات كذلك. من يقين القومي العربي بأن “الأمة تحترق” ليقين الموظفة العابرة لزميلها في العمل بأنه “عندما تخبرك امرأة بأنها سكرت قليلا فهذا إنذارٌ بأنها قابلة للسقوط في أية لحظة”.

الأموات أيضاً ينبعثون، من كائنات ميت عدلان الصغيرة” المموهة وغير المسماة، لأسامة الديناصوري، الحاضر باسمه و”كتابته”، وصولا للطائر الصغير الذي ستصنع الذات مقبرته بنفسها: “أنا التي تركت بلدا في مكان ما لأتمشى في هذه الغابة أحمل جثة لم ينتبه لغيابها السرب،/ عائدة إلى البيت في جنازة كان يجب أن تكون مهيبة لولا هذا الحذاء الرياضي”. إن هذه السطور من قصيدة “مقبرة سأحفرها”، بعنوانها الدال، تلخص مجاز الموت الكبير في هذه المجموعة، حيث يقترن حفر المقبرة بالعودة للبيت، وحيث الهروب من الموت من أقصى العالم إلى أقصاه، لمواجهته حيث ظنت الذات أنها لن تفعل.

لكن بيوت الناجين، في حسيتها ونقضها للميتافيزيقي، لن تعني الحياة المكتملة. إنها بيوت تنتظر لحظة المغادرة بأكثر مما تتوخى البقاء أو الإقامة. وحيث المجاز الكبير للبيت: “جدار تتسع شروخه حتى تظنها يوما بديلا للأبواب”.

إن الناجين، في القصيدة الأخيرة، “من النافذة”، يمكن أن يكونوا بقايا متصلة بالحياة فقط بفعل التنفس: “من الممكن أن تميز الشخص الذي تحطم من قبل/ الشخص الذي بعد أن تحطم نجحوا في تثبيت ظهره أو ربط عنقه بالكتفين/…./ الأمر سيكون أسهل مع شخص تبعثر من قبل/ الشخص الذي تبعثر من قبل عادةً ما يتلفت حوله، كأنه يبحث عن جزء ما زال ضائعا منه/ وقد يبدو في التفاتته حلوا جدا لأنهم ألصقوه بالصمغ”.

الناجون، وفق هذه الرؤية، “ لاشيء يميزهم في الحقيقة” أو “ربما كل منهم لا يشبه إلا نفسه”.

ثمة بيوت إذن ملتبسة بالمجاز، كشرط لتحققها في الثقافة (المسجد/ المقبرة)، وأخرى عارية تماما إلا من وظيفتها الاستعمالية (البار/ الطائرة/ البيوت المؤقتة). بين هذين الحدين يستعير الشعر نفسه صورته هنا، وهو يقشر المجاز عن الدلالة الجاهزة تارة، لينزعه بقسوة، أو وهو بالمقابل يعيره للدال المفتقر إليه. من هذه الزاوية، أمكنني أن أتلقى التفاوت الحاد الذي تعكسه القصائد في اختبارها للشعري، والذي قد تجسده عناوينها نفسها.. فثمة هوة مخيفة بين عناوين مثل” اسمك أمامي ولا ورد في يدي”، “كأن العالم ينقصه شباك أزرق”، “مثل القصيدة التي كنت أكتبها في الحلم”، “كتاب الرغبة”، وأخرى من نوعية “إيميل من أسامة الدناصوري”، “سي في”، وثالثة من قبيل “حكاية المرأة المكتئبة والضيف الجشع”، “هدية ماما في عيد ميلادك السابع”، و”المرشد الأمين للبنات والبنين بعد سن الأربعين”.

الحركات الثلاثة التي توزعت عليها القصائد تطرح أيضا رحلة معرفية من الزحام إلى الوحدة، تبدأ من القطيع لتنتهي إلى الفرد.

إنها استعارة أخرى كبيرة لعلاقة الذات بالبيت، من الشراكة الإجبارية مع “الآخرين” تبعا لرابطة الدم “الجاهزة” إلى العزلة كاختيار، وإلى الروابط المشروطة بطبيعة ذلك الاختيار.. وحيث يخص البيت في النهاية الشخص وحده: رحلة من البيت الذي يؤثثك للبيت الذي تؤثثه.

يغص القسم الأول بذوات عابرة تحتل بطولة القصائد، كممثلين ثانويين تترك لهم الذات فرصة أخيرة للبطولة، من جثة المراهق الذي عاد من الجيش جثة، لرفيق الطائرة العابر، للموظفة الشبحية، وصولا للرجل الذي “قرر أن يفسر الحب لي”.

بدت لي الذات الشاعرة في هذا القسم متلقيا. تتنصت أوتتلصص أو تراقب، لتخرج النصوص بذوات خادشة على الدوام لحضورها.

القسم الثاني سيتخفف تماما من الذوات العابرة أو الطارئة، ليصفو في أغلبه لتنويعات على علاقة مهيمنة وملتبسة بين شخصين. إنها نصوص الوهم المتقن حد أنه يتحول لصورة من الواقع، حيث تستيقظ الذات من النوم، بوجدان عائد للحياة: “ربما تكون تلك القهوة السوداء هي جرس الصباح، هكذا يستلم الواحد جائزة العودة سالما من النوم”. إنها بدايةٌ للعالم، “حيث تلمس قدمان الواقع”، الذي ينتهي في هذا القسم بتساؤل جديد عن النجاة: “هل هذه هي النجاة؟ هل النجاة أن تكون في صحراء كهذه وتحت قدميك جوهرة لم تكن تعرف أنك تبحث عنها؟”. بين “جرس الصباح” و”النجاة” ثمة متتالية متراوحة بين حلم اليقظة والواقع، الحلم والصحو.

في القسم الثالث، “الحياة في شوارعها الجانبية”، نحن أمام البطولة المطلقة للذات الشاعرة، أخيرا، وحيث ترقد جميع الذوات الأخرى في الخلفية. “الأفكار” هنا أشد نصوعا كموضوعات للقصائد، من فكرة “الشر” لفكرة “البيت” لفكرة الحياة نفسها.


إنها في الأخير، الهوة بين “القرية” الصغيرة و”القارة” الشاسعة، اللتين تجسرهما القصائد، قالبة حتى أدبيات الوعي المكاني بـ “هنا” و”هناك”، وبحيث لا نعود نعرف، أي المكانين هو الأقرب.

“حتى أتخلى عن فكرة البيوت”: إنه طموح الذات الشاعرة في نهاية المطاف. يمكن لـ”حتى” المراوغة هذه أن تحيل لأفق دلالي باعتبارها “لكي”، وأن تذهب لآخر باعتبارها “إلى أن”.

أنت لن تستطيع أن تمنع نفسك في الحالتين من التساؤل: هل حضرت “ميت عدلان” أخيراً هنا، لتعود إليها الذات، أم، في واقع الأمر، لتتمكن أخيراً من مغادرتها؟

لن تظهر “ميت عدلان” مرة أخرى رغم حضورها المتوهج الواعد على رأس النص. لماذا؟.. لأن الذات، عندما دونتها، منحتها في حقيقة الأمر بابا ليُغلق.


نُشرت هذه الدراسة في "مشارف"، سلطنة عُمان، أكتوبر ٢٠١٣.




http://omandaily.om/?p=37415